تحالف إعادة تحرير الصومال: المضمون والآفاق

خلفية عن التحالف

منذ جثم الاحتلال الأثيوبي على الصومال وطرد المحاكم الإسلامية، لم تتوقف المؤتمرات التشاورية في كثير من المغتربات حيث كان يتم تداول الأفكار وطرح التصورات وكان الرأي السائد ضرورة إنشاء كيان سياسي يجمع القوى المناهضة للاحتلال لقيادة العمل السياسي والعسكري ضده.

 وربما كان كاتب هذه السطور أول من كتب وعرض تلك الفكرة في مقاله “المحاكم الإسلامية: أسباب السقوط ومقومات النهوض” المنشور على موقع الجزيرة.نت بعد شهر من دخول القوات الأثيوبية العاصمة الصومالية.

 وقد أنضج الفكرة فيما بعد في عدد من الأوراق التي قدمها في المؤتمرات التي شارك فيها في عواصم أوروبية وعربية خلال هذا العام.

وبمرور الوقت وبعد مناقشتها من قبل الكثيرين ازدادت نضجا ووضوحا وقبولاوتخللت المؤتمرات الجامعة اجتماعات خاصة للمكونات الأربعة كل على حدة، تؤطر فيها اتجاهاتها وخياراتها، من بينها اجتماع عقدته المحاكم في أوائل يونيو لتقييم تجربتها ووضع مشروعها المستقبلي. تلاه مؤتمر الدوحة في 6-8/يونيو 2007م الذي شاركت فيه قيادات من المحاكم والبرلمان إلى جانب المغتربين والمجتمع المدني.

 وقدمنا فيه ورقة مفصلة حول الفكرة بعنوان “الطريق لإنقاذ الصومال” وقد نوقش المشروع و اتفق على تشكيل لجنة تحضيرية لمؤتمر يتم فيه تشكيل هذا التحالف والإعلان عنه في أقرب فرصة. وتم تشكيل لجنة من المكونات الأربعة عكفت شهرين لصياغة البرنامج السياسي وميثاق التحالف.

 وعلى إثره عقد في أسمرة “مؤتمر تحرير وإعادة تكوين الصومال” الذي حظيت جلساته بتغطية إعلامية جيدة ولا سيما من القناة الصومالية العالمية “يونيفرسال” التي تبث من لندن وتابع نقاشاته ومداخلاته الصوماليون في الداخل والخارج، والمواقع الصومالية.

واستمر المؤتمر تسعة أيام متوالية خاضت فيه الأطراف المجتمعة نقاشا جادا، بل وحادا في بعض الأحيان، أثمر اتفاقا على برنامج سياسي وميثاق وطني. وفي الرابع عشر من أيلول 2007 اختتم المؤتمر وأعلن عن إنشاء “تحالف تحرير الصومال” من الاحتلال الأثيوبي يضم جميع القوى المناهضة للاحتلال وعلى رأسها اتحاد المحاكم الإسلامية والبرلمان الحر والمغتربون الصوماليون والمجتمع المدني وبعض الشخصيات المرموقة.

 ولم يأت هذا التطور طفرة بل ضمن سياق تطور طبيعي للجهود المبذولة من القوى المناهضة للاحتلال، حمل دلالات معينة في السياق التاريخي والراهن للأزمة الصومالية، مما جعل مواقف الأطراف المحلية والإقليمية والدولية واضحة منذ اليوم الأول للمؤتمر، وخلق فرصا وتحديات أمام التحالف الجديد.

دلالات إنشاء هذا التحالف

ينظر الكثير من الصوماليين إلى هذا التحالف كتطور في الفكر السياسي الصومالي سيؤثر على الرؤية والطريقة التي سيعالج بها الصوماليون مشاكلهم في المستقبل القريب والبعيد.

وسيكون نقطة ارتكاز للحلول القادمة للأزمة الصومالية.

ومن أهم دلالاتها:

1- أنه الأول من نوعه سياسيا منذ الحرب الأهلية بين قوى وطنية وإسلامية على مبدأ غير قبلي متجاوزا مبدأ تقاسم السلطة على أساس قبلي وهمي تكرس في جميع مؤتمرات السلام الصومالية.

وهو أول تجمع سياسي يوحد جميع شرائح المجتمع الصومالي على مبدأ الاستقلال من الوجود الأثيوبي على غرار حزب وحدة الشباب الصومالي الذي أنشئ في 1943م لمواجهة الاستعمار الأوروبي وقاد إلى الاستقلال منه 1960م. وبالتالي فإن التحالف أعطى دفعة من الأمل للشعب الصومالي بأن بالإمكان توحد القوى المناهضة للاحتلال ولو على قدر مبدئي من التوافق

.2- توحد التيارات الإسلامية المتعددة التي تحمل الفكر السلفي المتشدد منه والوسطي، والإخواني والتبليغي وغيرها في إطار وطني موحد، ثم دخولهم في نقاش أيديولوجي مع تيارات فكرية وتوجهات سياسية أيديولوجية مختلفة ويذوّبوا خلافاتهم في مواجهة الاحتلال. مما يشكل تطورا نوعيا – حتى على المستوى العربي- يمكن البناء عليه ليفرز فيما بعد تعايشا وقبولا سياسيا يفضي إلى التعددية السياسية والتداول على السلطة دون تكفير أو إقصاء

.3-  تحمل المشاركين لتكاليف سفرهم وبعضا من تكاليف إقامتهم خلال المؤتمر جعل قراراتهم ومواقفهم السياسية مستقلة ونابعة من إحساسهم بمسؤولياتهم تجاه وطنهم دون إملاء من أحد، بعكس المؤتمرات السياسية التصالحية السابقة حيث كانت الغنائم تقسم لخدمة استراتيجيات جهات معينة، ويجري فيها شراء الذمم علنا.

 4- تقوية وتعزيز دور عناصر مهمة في تشكيل الرؤية السياسية المستقبلية للصومال كان يتم تهميشها أو إقصاؤها في المؤتمرات السابقة التي كان يسيطر عليها أمراء الحرب، ولا سيما التيار الإسلامي.

5- بروز دور المغتربين الصوماليين في القرار السياسي الصومالي مستقبلا حيث كانت مشاركتهم في المؤتمر مكثفة كما وكيفا وبكيانهم المستقل عن الكيانات الأخرى، بعكس المؤتمرات السابقة التي كان المغتربون يشاركون فيها كشخصيات تابعة لأمراء الحرب أو ممثلة لقبائلها.

 بينما شارك في هذا المؤتمر ودخل في التحالف مثقفون يحملون همّ وطنهم ويريدون أن يساهموا في صياغة سياسته المستقبلية على أسس جديدة مستفادة من خبراتهم التي اكتسبوها من العيش في ديار الغرب.

6- يتجلى لنا ما يمكن أن يضيف إليه التحالف الجديد في المشهد السياسي الصومالي حاضرا ومستقبلا بالنظر إلى مجموع ما تمثله القوى الأربع المتحالفة من تواجد عسكري على الأرض وقبول شعبي للمحاكم الإسلامية، والشرعية السياسية التي يمثلها البرلمانيون الأحرار، والقوة المالية والخبراتية والكفاءة الإدارية والسياسة التي يحملها المغتربون وقدرتهم على التأثير في الدول التي يتواجدون فيها، والتفاعل اليومي مع المجتمع الذي تمثله قوى المجتمع المدني عبر الخدمات التي يقومون بها وارتباطهم بالجمعيات والتنظيمات الدولية، إضافة إلى الثقل السياسي الذي تشكله الشخصيات السياسية المشهورة والمشهود لها بالوطنية،

المواقف المعلنة من التحالف

وعيا بالدلالات التي سبق سردها وعلما بالدور الذي يمكن أن يلعبه التحالف الجديد تشكلت المواقف المحلية والإقليمية والدولية من التحالف حتى قبل الإعلان عنهفمحليا كانت متابعة الصوماليين للمؤتمر ملفتا عبر المواقع الصومالية الألكترونية، ويشهد على ذلك كمّ المقالات التحليلية التي كتبت عنه والنقاش السياسي الذي دار حوله خلال فترة انعقاد المؤتمر وكان معظمه إيجابيا.

وازدادت ضربات المقاومة الصومالية على القوات الأثيوبية خلالها نظرا لارتفاع معنوياتها.

 وعموما كان استقبال الشعب الصومالي في الداخل والخارج إيجابيا إلى درجة كبيرة.أما الحكومة الفيدرالية ومن ورائها الحكومة الأثيوبية فقد استبقتا الأحداث ونددتا بأريتريا وبالمؤتمر واصفتين إياه بالإرهابي، ولم يبد موقف الولايات المتحدة الأمريكية مختلفا إذ وجهت جينداي فريزر مساعدة وزيرة الخارجية للشؤون الافريقية، انتقادات شديدة اللهجة للمؤتمرين في أسمرة ووصفتهم بالإرهابيين، وأثناء مشاركتها في اجتماع مجموعة الاتصال الدولية حول الصومال في روما في العاشر من سبتمبر اتهمت الحكومة الأريترية بكونها سببا لتفاقم العنف في الصومال عبر دعمها للـ”متمردين”،

ودعت المجتمع الدولى إلى قطع الدعم المالي لأريتريا حتى توقف دعمها لهم.أما الدول الأوروبية فيبدو أن الموقف الأمريكي مؤثر عليها، فهي رغم تبرمها مما يحدث في الصومال إلا أنها مازالت تعلن دعمها للـحكومة “الشرعية” رغم تسليمها بعدم قدرتها على فعل شيء، وللخروج من الحرج يتم التركيز على استبدال القوات الأثيوبية بأخرى دولية تأتي تحت مظلة الأمم المتحدة ، كما برز في اللقاء الأخير بروما ، ولكن يبقى ذلك حتى الآن كلاما فقط.

وبقيت الدول العربية صامتة متفرجة، ما عدا المحاولة السعودية التي جاءت لتتوج المؤتمر الذي عقد في مقديشو وتصوره على أنه مؤتمر مصالحة وطني رغم استبعاده العنصر الأهم في الصراع. ورأى الكثير من الصوماليين أن الخطوة السعودية جاءت بإيحاء من أمريكا لإضفاء شرعية ما وزخم على المؤتمر الذي أعلن العديد من المراقبين الدوليين فشله في مقديشو.

 ولكن إيجابية المؤتمر تكمن في دعوة أطراف الحكومة الفيدرالية لأول مرة باستبدال القوات الأثيوبية بأخرى عربية وإسلامية، ربما لسحب البساط من حجة المتحالفين بأسمرة أو هو يعكس الصراع بين أجنحة ورؤوس الحكومة الفيدرالية فيما بينها، الذي برز جليا فور عودتهم من السعودية.

الفرص والتحديات

إشارة إلى الإمكانيات التي ذكرنا بعضها آنفا للقوى المشكلة للتحالف الجديد يمكن رؤية الفرص التي يمتلكها، ويعتمد نجاحه مستقبلا على كيفية توظيفه الجيد لها. وأهمّ هذه الفرص:

1- قدرة المغتربين في التأثير السياسي على الدول التي يقيمون فيها عبر الوسائل القانونية للضغط على صناع القرار

.2- قدرة النخبة المثقفة فيه في التأثير على مراكز الدراسات الغربية التي تغذي صناع القرار، وذلك عبر المشاركة الفعالة في اللقاءات والندوات وتقديم الدراسات الجادة بشرح القضية الصومالية بشكل أعمق يساعد على فهمها لمواجهة التفسير النمطي المروج من أثيوبيا على أنها صراع بين قبائل بدوية ورعوية

.3- قدرتهم على استخدام الدعم الشعبي وإبرازه بشكل جيد وإظهار حقيقة أن التحالف الجديد ليس المحاكم الإسلامية التي كان الغرب يخشى من توجهها الإسلامي المتشدد.

 4- توفر التحالف على كفاءات إعلامية وسياسية ودبلوماسية وإدارية يعطيها قدرة على ملء الكثير من الفراغات التي كانت ملحوظة من قبل على المحاكم الإسلامية.

5- خاصية التوازن بين العسكري والدبلوماسي بدل التركيز أو الاعتماد الكلي على الجانب العسكري فقط.

 6- وعي الشعب الصومالي أكثر – وإن لم يكن بالقدر المطلوب – وفهمه لألاعيب الاحتلال الأثيوبي يجعل من السهل على التحالف أن يجد محضنا شعبيا في كثير من المناطق الصومالية.

7- فرصة دعم الإعلام الصومالي يمكن استخدامها لتعبئة الشعب وتحريضه ضد الوجود الأثيوبي والمتعاملين معهأما التحديات فيمكن تقسيمها باعتبار مصدرها إلى ذاتية وموضوعية، وباعتبار نوعها إلى اجتماعية واقتصادية وسياسية، وباعتبار بيئة تفاعلها إلى صومالية وأجنبية. ولكن لعدم سماح الحيز المسموح به هنا بالتقسيم والتصنيف نوجز فيما يلي أبرز التحديات:

1.    مرض القبلية الذي أصاب الشعب الصومالي وجعله يرصد كل  تحرك عبر العدسة القبلية.

2.    عدم تمتع الشخصية الصومالية – بغض النظر عن موقعها قائدا أو مقودا – إلا من رحم ربك، بالقدر المطلوب من الحس الوطني والنضج السياسي والنزاهة والقدرة على استيعاب المتغيرات، وسيحتاج هذا لجهد كبير من التحالف لرفع مستوى ذلك، ليس فقط في داخل الشعب بل أيضا في داخل أفراده وإن كان المظنون بأغلبهم الإخلاص للقضية.

3.    يبدو أن كيفية التوازن والتوفيق بين الخطابين المتشدد والدبلوماسي والاعتماد على العسكرة والسياسة سيشهدان شدا وجذبا في كل حين بين أطراف التحالف.

 4.    حفظ التحالف مما يمكن أن يؤدي إلى التباين القوي الذي سيهدد استمرار التحالف ويفضي إلى الطلاق البائن بين أطرافه. والعمل في اتجاه السعي المستمر إلى التوافق والتفاهم أملا في الدمج الكامل للقوى والانتقال من طور التحالف إلى التنظيم الموحد. هذا بالتأكيد سيحتاج إلى تقديم التنازلات من كل الأطراف.

5.    يتمثل التحدي الخارجي الأكبر في كيفية إقناع المجتمع الدولي بأن التحالف بعيد عن تهمة الإرهاب التي وصم به من قبل الولايات المتحدة الداعمة لإثيوبيا. بل وإقناعه بأنه البديل الشرعي للحكومة الفيدرالية، والممثل لمصالح الشعب الصومالي.

 6.    التخطيط للخروج من عنق الزجاجة المتمثل في تمركز التحالف في أريتريا، والسعي إلى الانفتاح على العالم والتواصل المستمر معه، فأريتريا رغم موقفها الداعم واللامحدود تبقى محدودة القدرات ومعزولة عن العالم بسبب مشاكلها مع الغرب، ولا يمكن التواصل مع العالم الخارجي من خلالها.

7.    كيفية إقناع الدول العربية والإسلامية ولا سيما ذات الوزن الإقليمي بتبني رؤية التحالف وفتح مكاتب له فيها لفتح آفاق العالم أمامه

.8.    قد يكون إقناع العالم بإمكانية إمساك العصا من الوسط والاعتماد على المقاومة العسكرية والسياسية صعبا في نظام عالمي يصر على تصنيف المقاومات العسكرية تحت بند الإرهاب.

ومهما يكن من أمر فإن مستقبل الصومال سيشهد مع بروز هذا التحالف الجديد تطورا كبيرا، وإن مواقف الدول من فتح آفاق التعاون أو قفل الأبواب دونه ستلعب دورا كبيرا في حل أو تأزيم الوضع الصومالي المعقد. لأن عدم التعامل معه – من وجهة نظرنا – سيعزز القوى المتشددة والمتطرفة في الصومال والقرن الأفريقي بوجه عام مما سيؤدي إلى تفاقم مشاكله، بينما التعامل معه وفتح نافذة الأمل أمامه سيلين من المواقف المتصلبة ويبرز دور المعتدلين الذين سيكونون هم قادة العمل السياسي القادم. وعلى المجتمع الدولي أن يختار.

أضف تعليقاتك

من فضلك أكتب أسمك

الأسم مطلوب

من فضلك ضع بريدك الكتروني

البريد الكتروني مطلوب

من فضلك ضع رساله

نقوش هو الموقع الشخصي لمحمد الأمين محمد الهادي

نقوش © 2018 جميع الحقوق محفوظة

جميع الحقوق محفوظة للموقع، يمكنك الاقتباس مع الإشارة للمصدر ووضع رابط يؤدي إليه.