القرصنة .. رؤية من الداخل

هذا جزء من تقرير نشره مركز الجزيرة للدراسات أواخر شهر ديسمبر، وقد كتب أواخر شهر نوفمبر 2008م مكون من ثلاثة محاور كل محور كتبه كاتب آخر وهذا المحور هو ما شاركت به فيه. إذا أردت قراءة كامل التقرير فيمكنك الذهاب إلى هذا الرابط . ورقتي هنا أنشرها كما بعثتها إلى مركز الجزيرة قبل بهوامشه بينما أزيلت الهوامش من التقرير المنشور.

——-

أصبحت القرصنة على الشواطئ الصومالية وخليج عدن قضية دولية مؤرقة وأخذت أبعادا بعيدة تهدد أمن الدول وتجارتها. فما يمر أسبوع إلا وتسمع في الأنباء أن سفينة كبيرة ومهمة قد استولى عليها القراصنة الصوماليون مما حدا بالأمم المتحدة وحلف الناتو والدول الكبرى التدخل في القضية، وكأننا أمام أزمة قد تفجر حربا عالمية ثالثة. فما هي القصة ومن هم هؤلاء القراصنة وما الذي دفعهم إلى القرصنة؟ وماذا يريدون وما هي أهدافهم؟ ومن يقف خلفهم – إن كان هناك من أحد-  وكيف يقومون بعملياتهم البحرية؟
بداية القصة في الصومال
تبدأ القصة من انهيار الدولة الصومالية عام ١٩٩١م وسيطرة عصابات أمراء الحرب ومليشياتهم القبلية على أجزاء الصومال المختلفة .ولم يتمكن هؤلاء من  ملء الفراغ بل بدأت حرب أهلية مدمرة وفرت فرصة لسفن الصيد الأجنبية لغزو شواطئ الصومال في وقت مبكر لنهب الخيرات الوفيرة في البحر. فساحل الصومال الأطول أفريقياحيث يقدر بـ ٣٣٠٠ كم ، ويتوفر على ثروة بحرية وفيرة ومتنوعة بما فيها طيور البحر والحيتان وأسماك القرش والعديد من أنواع السلاحف والدلافين.. إلخ(1)، أصبح مرتعا لكل من هب ودب.
وكان الصيادون المحليون يشكون من ان شباكهم الصغيرة وغيرها من معدات صيد الأسماك تتعرض للتدمير من قبل السفن الأجنبية العملاقة مرارا وتكرارا مما اثار المواجهة المباشرة بين السفن الأجنبية والصيادين في المناطق القريبة من الشاطئ الصومالي. وقد بح صوت سكان السواحل الصومالية لمساعدتهم في وضع حد لممارسات سفن الصيد الأجنبية التي لا قبل لهم بها، ولكن شيئا لم يحدث. ونشأت لدى بعض الشباب رغبة للانتقام فحاولوا مطاردة هذه السفن باستخدام زوارق سريعة وبنادق مما يدافعون بها أنفسهم في فوضى الحرب الأهلية.  وهنا لجأت الشركات المتسللة إلى تغيير أساليبهم في مواجهة هذا التحدي فسعت إلى استصدار تراخيص تمنحهم حق صيد الأسماك على طول الساحل من أمراء الحرب الذين سهلوا المهمة في مقابل ملايين الدولارات . فقد كانت كل منطقة تخضع لأمير حرب ومليشياته القبلية، وكل مجموعة تجوب المنطقة التي تخضع له مدعية أنها وتقوم بدور خفر السواحل. وتمكنت هذه السفن من ممارسة عملها دون خوف من الشباب المحليين. وكانت تمخر البحر تحت حماية مليشيات تابعة لأمراء الحرب المنتفعين وتمنع الشباب المحليين من التعرض لها(2).
وإذا حدث أن اقتربت السفن الكبيرة جدا إلى الشاطئ بحيث تحرم قوارب الصيادين المحليين من رزقهم اليومي فيضطرون لمقاومتهم كانت السفن الكبيرة تواجههم بعنف مبالغ فيه بالأسلحة النارية الثقيلة وبخراطيم ضغط المياه لقلب القوارب الصغيرة.
وأصبحت المياه الصومالية محط سفن الصيد الكبيرة التي تمارس الصيد باستخدام معدات الصيد المحظورة عالميا ، بما فيها الشبكات ذات الفتحات الصغيرة جدا والنظم المتطورة للإضاءة تحت الماء لجذب الأسماك إلى الفخاخ. والتجريف المحرم والشباك الخيشومية التي تقضي على مصائد الأسماك الشاطئية مما يعرض الموارد البيولوجية لخطر انهيار يؤثر على المدى الطويل الرفاه الاجتماعي والاقتصادي للمجتمعات الساحلية. فقد جرى نهب جواد البحر وسمك القرش والموارد الأخرى. ويقدر ما جرفته هذه السفن من الشواطئ الصومالية ٢٥٠٠٠ طنا سنويا(3). وكانت الاستفادة متبادلة من الأساطيل الأجنبية والمليشيات وأمراء الحرب الذين يستصدرون لهم الرخص ولذلك كان الجميع يعمل على عدم عودة الاستقرار للصومال .
وشملت شركات الدول المستفيدة  فرنسا وأسبانيا والهندوراس واليابان وكينيا وسريلانكا وكوريا وباكستان التايوان  وغيرهم.  وكانت السفن تحمل أعلاما لدول غير مشهورة حتى تتجنب أنظمة  دولها(4).
وبعد أن أصيب الشباب بالإحباط حيث حمت مليشيات أمراء الحرب سفن الصيد، تحولوا إلى السفن التجارية بدل سفن الصيد، وأصبح الهدف بعد ذلك سهلا باستخدام زوارق سريعة مسلحة بمجموعة من الأسلحة، وبعد الاستيلاء على السفينة التجارية والطاقم يطلبون الفدية مقابل إطلاق سراحهم. وانضم إليهم مليشيات أمراء الحرب بعد أن رأوا أن هذه الطريقة أسرع في الكسب من العمل لدى أمراء الحرب وهنا بدأت القرصنة تنحرف عن مسارها لتتعرض للسفن التي تقوم بإيصال المساعدات الغذائية من برنامج الأغذية العالمي للصوماليين أنفسهم والذين تتعرض حياتهم المتضررة من الكوارث الطبيعية والحروب الأهلية. وهناك تقارير تفيد بأن الخلافات داخل المجموعات  أحيانا تؤدي إلى أن تصفي مجموعة واحدة على أخرى(5).
كما كانت المليشيات التي تقول عن نفسها أنها تقوم بدور خفر السواحل تطوعيا تستولي على بعض السفن التي لا تدفع لهم مقابل ذلك عبر التراخيص غير القانونية ليتم دفع الفدية لإطلاقها. وبدأ ذلك في السنين الأولى من الحرب الأهلية، وربمت تكون أول محاولة في آذار / مارس ١٩٩٥م حيث أطلقت المليشيات قذائف هاون على يخت بريطاني اسمه (لونجو باردا) في خليج عدن وحاولوا الصعود على اليخت لولا اقتراب البحرية الكندية (فريدريكتون) التي كانت تمر بالمكان(6). وفي كانون الثاني/يناير ١٩٩٨م استولت مليشيات في شمال شرقي الصومال على سفينة بلغارية مربوطة بأخرى سورية وساعد في التفاوض شيوخ ورجال الأعمال في بوصوصو ، شمال شرقي الصومال، وتم الإفراج عن الطاقم والسفينة في فبراير مقابل ١١٠٠٠٠دولارا(7).
ومنذ ذلك الحين عرضت إدارة بونت لاند في شمال شرقي الصومال استصدار رخص لسفن الصيد بشرط التزامها بممارسة “عمليات صيد سليمة”(8)
وكانت المواجهات بين سفن الصيد والقراصنة متواصلة في صمت دون أن تثير أحدا حتى بلغت سفن الصيد في عام ٢٠٠٥م  حسبما تشير بعض الدراسات إلى نحو ٧٠٠ سفينة صيد أجنبية تقوم بالصيد غير المشروع في المياه الصومالية(9).
ويقدر مسؤول في الأمم المتحدة أن عمليات الصيد غير المشروع في المياه الصومالية تدر ٣٠٠مليون دولار سنويا(10).
وحسب المكتب البحري الدولي فإن عمليات القرصنة المنفذة أو التي تمت محاولتها المبلغ عنها على المياه في أفريقيا الشرقية منذ عام ٢٠٠٠م حتى عام ٢٠٠٤م على التوالي هي ١٣،١٨،١٩،٢٢،٢٨(11) وهذا يشير إلى أن معدل القرصنة كان في تراجع ملحوظ. ولكن بدأ في الارتفاع بعد ذلك منذ ٢٠٠٥م حتى الآن فيما عدا فترة المحاكم الإسلامية وهي النصف الأخير من عام ٢٠٠٦م
إلقاء النفايات السامة والنووية على سواحل الصومال
ولم تكتف الشركات الغربية باستغلال الوضع بممارسة الصيد المحرم دوليا بل قامت بإلقاء النفايات الخطرة في الصومال خلال الحرب الأهلية الصومالية . وتشير التقارير إلى أن هذا العمل بدأ قبل عام من انهيار الحكومة المركزية أي في عام ١٩٨٩م ولكن لم بدأت تظهر في وسائل الإعلام في خريف ١٩٩٢م حيث أشارت التقارير في وسائل الإعلام الدولية إلى وجود شركات أوروبية – دون ذكر أسماء – تقوم بإلقاء النفايات الخطرة والسامة بصورة غير شرعية في الصومال(12).
وما أثار الجدل حينها في ١٩٩٢ كان ورود أنباء عن إبرام شركات أوروبية عقودا مع أمراء الحرب الصوماليين ورجال الأعمال لإلقاء النفايات في البلاد. وكانت الشركات المتهمة حينها شركات إيطالية وسويسرية. وفي بيان صحفي بيان من جانب المدير التنفيذي لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة (UNEP) في حينه الدكتور مصطفى كمال طلبه,(13)، الذي كان حينها مقيما في نيروبي أشار إلى أنه أصبح من الواضح أن الشركات الأوروبية تتخلص من نفاياتها الخطرة في الصومال. ولكن برنامج الأمم المتحدة لم يبدأ في التحقيق في القضية سوى بعد خمس سنوات أي في عام ١٩٩٧م حيث انتدب لمهمة القيام بالتحقيق الميداني فريق يترأسه صومالي لتنفيذ تحقيق ميداني في كثير من المناطق في الصومال وخاصة في المناطق الساحلية . ولكن المثير أن نتائج التحقيق الذي كتبه الفريق في تقرير لم تنشر. ولكن مجلة “الأسرة المسيحية” الإيطالية (Familgia Cristiana) نجحت في العثور على نسخة منه في عام ١٩٩٨م. وقامت المجلة بتحقيقات خاصة بها أيضا وقامت بنشر عدة مقالات حول القضية(14).
وفي ضوء هذه التقارير وما أثارته من ضجة حينها باتهام شركات إيطالية وسويسرية  بالضلوع في الموضوع، طالب البرلمان الإيطالي بدراسة المسألة وأنشئت لجنة لتقصي الحقائق وخلص التقرير النهائي الذي نشر في عام ٢٠٠٠م إلى أن ما يسمى بـ “المافيا البيئية” تدير شركات تتعامل مع ٣٥ طنا من النفقايات سنويا(15).
ووجدت الشركات الأوروبية أنه يمكنها في ظل الفوضى الصومالية التخلص من النفايات الخطرة بتكلفة أقل من  ٢.٥ دولار  بينما يكلفهم ٢٥٠ دولارا في أوروبا. وتلقى في الصومال مختلف أنواع النفايات ومنها نفايات اليورانيوم المشع وهناك نفايات المعادن الثقيلة مثل الزئبق والكاديوم والنفايات الصناعية ووالكيميائية ونفايات المستشفيات إلخ(16).
ولا يزال إلقاء النفايات والصيد المحرم مستمرا حتى اللحظة، وجاء تأكيد ذلك على لسان مفوض الأمين العام للأمم المتحدة في الصومال السيد أحمدو ولد عبد الله في أكثر من مناسبة(17).
ومما يغضب الصوماليين بصفة عامة أن الدول والمنظمات لم تحرك ساكنا بل التزمت الصمت عندما كانت السفن الأجنبية تقوم باستغلال الموارد السمكية بصورة غير قانونية وبإلقاء النفايات السامة والنووية في البلد. بينما تقيم الدنيا ولا تقعدها عندما تتعرض سفنهم للقرصنة، ويعدون ذلك من قبيل الكيل بمكيالين والنفاق السياسي الذي تتسم به. ويقول الأكاديمي الصومالي المعروف البروفيسور عبدي إسماعيل سمتر، من قسم الجغرافيا والدراسات الدولية في جامعة منيسوتا بالولايات المتحدة تعليقا على قرار الأمم المتحدة رقم ١٨٣٨ الذي يعطي الحق للدول المتعرضة للقرصنة الدفاع عن نفسها: “إن على الأمم المتحدة أن تنظر إلى قضية إلقاء النفايات السامة، وهذا ما لم يتم التعرض له في القرار ١٨٣٨”(18)
ويثير العجب والقلق الإثارة الدولية التي صاحبت عمليات القرصنة البحرية الأخيرة دون أن تجلب القرصنة  القرصنة السياسية التي كان يمارسها أمراء الحرب بدعم إقليمي ودولي راح ضحيتها ملايين الصوماليين(19).
من هؤلاء القراصنة؟
بعد التعاون الذي تم بين الشباب في المناطق الساحلية شمال شرقي الصومال وبقايا المليشيات الذين استقلوا عن أمراء الحرب برزت مجموعات قوية تتشكل من ثلاثة عناصر(20):
١- الملشيات التي كانت تعمل لدى أمراء الحرب وهم يشكلون القوة العسكرية .
٢- الصيادون المحليون وهم يشكلون الخبرة اللازمة بالبحر .
٣- مجموعة من التقنيين الذين يجيدون التعامل مع الأجهزة المتطورة التي يستخدمها هؤلاء.
وهذه المجموعة الأخيرة هي التي تقوم بالتواصل مع العالم الخارجي والتحدث إلى الطاقم كونها تجيد اللغات الأجنبية .. إلخ. وهناك مصادر تشير إلى أن عددا من قوات الشرطة في بونت لاند وعددا من المدرسين والمحامين تركوا عملهم والتحقوا بالقراصنة. بل إن مجموعات كبيرة من الشبان يأتون من مختلف أنحاء الصومال بما فيها العاصمة مقديشو ليجدو لهم موضع قدم في سوق القرصنة المربح(21). وهناك تقارير أخبارية تشير إلى انضمام بعض الصيادين اليمنيين إلى القراصنة الصومالين ولكن لم تتضح الصورة في هذا الجانب بعد(22).
كيف تتم العملية؟
ويتم احتجاز كل السفن المختطفة في مناطق مثل “أيل” و”غرعدي” في “بونت لاند” أو منطقتي “حرطيري “و”هبيو” الخاضعتين لقبيلة الهوية. ويملك القراصنة عددا من “السفن الأم” حيث يخزنون الأسلحة والوقود والإمدادات الأخرى على متنها. وعندما يجدون صيدهم الثمين من السفن الكبيرة فهم ينطلقون إليها بقوارب سريعة مجهزة باسلحة ورجال يحملون بنادق AK47 ويتسلقون عليها مستخدمين سلالم حبالية مفتولة حيث يصعدون بها إلى متن السفن الكبيرة. وتقول مصادر استخباراتية أن ثلاثة سفن صيد في خليج عدن يعتقد أنها تابعة للقراصنة.
ويمكن استخدام ثلاثة زوارق سريعة في الهجوم الواحد، ويحمل كل ستة إلى عشرة رجال مسلحين ببنادق AK47 الهجومية وأحيانا قذائف صاروخية.
أما الأسلحة فهم لا يستخدمون أسلحة غير متوفرة في الصومال بل كل البنادق التي يستخدمونها والقذائف الصاروخية فهي مما يتوفر في الصومال وربما يتم تهريب بعضه من اليمن.
حياة القراصنة
يعيش القراصنة حياة بذخ شبهت بحياة الملوك يسيل لها لعاب الكثير وكلها من مبالغ الفدية التي تدفع لهم فتنعكس على حياتهم ترفا وأبهة. فهم يسكنون الأحياء الراقية في مدينتي “جروي” و”غالكعيو” بولاية “بونت لاند”، و”حرطيري” و”أيل” وأصبحت حياتهم مثار إعجاب الفتيات مما جعلل كل فتاة تحلم أن يطير بها قرصان ليتزوجها. فيلات مريحة وسيارات دفع رباعي ويمتلكون أغلى الجوالات وهواتف تعمل بواسطة القمر الصناعي وحواسيب محمولة. ويتزوجون أكثر من زوجة ويقيمون حفلات زواج فاخرة بشكل مذهل. فأموال الفديات تبلغ الملايين من الدولارات(23). وبرغم الأموال الكثيرة التي يجنيها القراصنة فإن إنفاقهم غالبا لا يتجاوز شراء المنازل والسيارات الفاخرة وتعاطي نبتة القات المخدرة(24).
“فقد وجدوا الطريقة التي يمكن من خلالها تبييض اموال نشاطاتهم تلك من دون ان يتركوا اثرا، كما هو الحال في بعض حالات غسيل الاموال، وهي ببساطة ابقائها داخل بلادهم.”(25)
ويترك بعضهم عمل القرصنة ليطهر أمواله بالانخراط في العمل التجاري المحض كأن ينشئوا فنادق في بعض المدن في بونتلاند أو يقومو باستيراد البضائع. وبعض الأحيان تغري هذه العملية بعض الفقراء ليمتهنوا القرصنة مدة حتى يثروا ثم يتحولوا إلى تجارة أخرى(26).
ويشكل الهدف المشترك أهم علاقة بين القراصنة رغم الانتماءات القبلية المختلفة فأكثرهم ينتمي إلى قبيلة المجرتين الغالبة على شمال شرقي الصومال وبعضهم إلى قبيلة الهوية في وسط وجنوب الصومال. ولديهم ما يمكن تسميته “قواعد أخلاقية” في التعامل، ومنها ألا تشاع الفوضى برا، وأن لا يعتدى على أية رهينة، ولا يستولى على ممتلكاته، وفي حال خالف أحدهم ذلك يدفع غرامة كبيرة من نصيبه في الفدية(27).
ولا ينظر القراصنة إلى عملهم كجريمة ولا يحزهم وخز ضمير حين يروون عن قصصهم بل يؤكد أحدهم  “انها مجرد عمل بالنسبة لنا. فنحن ننظر اليها كما ينظر اى امرء الى مهنته.” فهم يجوبون المحيط لمطاردة السفن والاستيلاء عليها ويقولون “إننا ندافع عن مياهنا من الأجانب الذين يرمون النفايات فيها.”
كيف يراهم الناس؟
يختلط شعور سكان القرى الساحلية في الشمال الشرقي للصومال حيث ينطلق منها القراصنة تجاه القراصنة حيث تجد بعضهم يكنون لهم احتراما كبيرا لهم ويعتبرونهم حقا كخفر سواحل متطوعين وحريصين على المنفعة العامة، يراهم آخرون على أنهم يشوهون صورة الصوماليين ويجرون الويل لهذه السواحل.
ولا شك أن التجار الذين تزدهر تجارتهم بسبب ما لديهم من قدرة شرائية لا يملكها الناس العاديون ولا يفكرون في سعر السلعة فبإمكانهم شراء كل شيء دون أن يأبهوا بالتكلفة. وكثير من الناس ينظرون إلى القراصنة من طرف المصلحة التي تتحصل عليها، لذا يتوجه النظر إلى جيوبهم وما يدفعونه أكثر من النظر إلى أي شئ آخر. وهم لا يبخلون بما في الجيب “فيوزعونه على أصدقائهم وأقاربهم – والقرابة في الصومال تمتد لتشمل القبيلة كلها – وينتقل المال بين أيد عديدة ما يوفر لهم في المقابل دعما داخل المجتمع” وفى بعض مناطق بونتلاند ينتشر بسرعة خبر عودة القراصنة الى اليابسة محملين باكياس من الاوراق النقدية. وغالبا ما يتوجه القراصنة مباشرة الى مطعم او فندق باهظ الثمن ويحتفلون بعودتهم بمضغ القات. ويأتى كثير من الناس لرؤيتهم فى الفندق حيث يمضى القراصنة يومهم وهم يوزعون المال على زوارهم ويتحدثون عن حواسيبهم اخر صرعة كما لو انهم من رجال الاعمال الكبار.  وهذا الاستعراض للثروات يثير الكثير من الرغبات غير المتوقعة احيانا مثل مدرسين فى بوصاصو تركوا قاعات الدراسة ل”يتوظفوا” كمترجمين لدى القراصنة ويكسبون فى بضعة ايام ما يوازى راتبهم الشهري(28).

الأهداف
لم يعلن ولو مرة عن هدف سياسي للخاطفين ما عدا الفدية التي يعلنونها والمساومة عليها. وبعضهم يحاولون تبرير فعلهم بكونهم يقومون بدور خفر السواحل تطوعا لحماية مياه الصومال من الصيد المحرم ورمي النفايات وأن الفديات التي يطلبونها تعتبر غرامة على من ينتهك هذه المياه، وتصبح بالتالي عائدا حلالا لهم. ولكن بالنظر إلى السفن المستهدفة في الآونة الأخيرة يبدوا واضحا أن مثل هذا القول هو طريق لإيجاد تبرير ما حتى لا ينظر إليهم كمجرمين.
هذا على الأقل هو الظاهر ممن يقومون بالعملية ولكن قد تكون هناك أهداف سياسية لمن يدفعونهم أو يسهلون لهم العمليات – إذا كان هناك من يقوم بذلك – وهذا ما لم يتضح بعد رغم وجود شكوك كبيرة.
هناك محاولات لربط القرصنة وجماعات القرصنة بالمقاومة الشرسة للاحتلال الأثيوبي والحكومة الانتقالية التي جاءت بها. وتشير الكثير من الكتابات الصحفية الغربية إلى ربط موضوع القصنة بالمقاومة والإشارة إلى أن القراصنة يدفعون أموالهم إلى المقاومة أو أنهم مرتبطون عضويا بهم. ولكن هذا لا يثبت إذا أخضعنا الادعاء إلى التفسير المنطقي للأشياء بسبب:
١- أن القرصنة حسبما رأينا لها تاريخ طويل أما المقاومة فقد بدأت فقط بعد احتلال القوات الأثيوبية للبلاد في بداية عام ٢٠٠٧م
2- أن الخلفية التي جاءت منها القرصنة حسبما أو ضحناه في السطور السابقة والمتفق عليها لدى معظم الدارسين لموضوع القرصنة في الصومال، لا تتفق مع روح المقاومة الإسلامية وخلفياتها. بل يمكن اعتبارهما يقفان على طرفي نقيض.
3- أن القراصنة يعلنون مرارا أنهم لا صلة لهم بأي طرف سياسي داخل الصومال. وليس معنى ذلك أن بعض الأطراف السياسية لا تستفيد من وجود القرصنة ولو بطريق غير مباشر.
4- أن المقاومة بكل أطيافها أعلنت شن حرب على القرصنة مرارا وآخرها الأنباء الأخيرة التي أشارت إلى أن حركة الشباب المجاهدين سيقومون بهجوم على القراصنة لإجبارهم على تحرير السفن والرهائن. وأشار الشيخ شريف إلى أن القرصنة ..
5- لو كان للقراصنة صلة بالمقاومة لكان المستفيد الأول منها الشعب الصومال ولأنزلوا الأسلحة التي يستولون عليها وسلموها للمقاومة لكي تحارب بها الاحتلال الأثيوبي، وهي أسلحة تكفي ليس فقط لدحر الاحتلال بل لتحرير بقية أجزاء الصومال.
6- معظم السفن التي يسيطر عليها القراصنة تحمل بضائع كثيرة وسلعا وموادا غذائية ولو كان لهم صلة بالمقاومة التي تعمل على تحرير الشعب الذي يتضور جوعا لقامت بإنزال الشحنات وتوزيعها على الفقراء في كل مكان.
ولكن البحث عن صلة بين المقاومة والقرصنة تهدف إلى تشويه صورة المقاومة أولا ثم تحميلها مسؤولية الإضرار بالأمن في ممرات البحر الأحمر والمحيط الهندي حتى يسهل تبرير توجيه الضربات إليها دون أن تحرج أحدا.
ويشير أحد المفاوضين مع القراصنة – وهو يتعامل معهم منذ سنين من مقره في ممباسا بكينيا- إلى أن عصابات تتعاون مع أمراء الإجرام في دبي ونيروبي الذين يقومون برصد طرق الملاحة لأهداف الربح ثم يمررون المعلومات حول اتجاهات السفن إلى ما يصل إلى خمسة من عصابات القراصنة الذين يدفعون “رسوم الترخيص” لأمراء الحرب أو شيوخ العشائر(29).
ولكن بالمقابل هناك إشارات من عدد من الباحثين العرب والخبراء الأمنيين إلى وجود صلة ما لإسرائيل أو لدوائر غربية  بالقراصنة لم تثبت حتى الآن بالرغم من أنها قد تكون المستفيدة الأولى منها. فقد اتهم صلاح الدين نبوي، الخبير الأمني المصري والمتخصص في شئون الملاحة البحرية الولايات المتحدة و”إسرائيل” بالوقوف وراء عمليات القرصنة في البحر الأحمر(30). كما يشير بعضهم إلى وجود دعم استخباراتي وتكنولوجي من قبل إسرائيل وبعض الأطراف الأخرى. ولكن كل هذا يرتبط بمخيلة النظرية التآمرية التي ينطلق منها التفكير العربي في معظمه، ما لم يقم دليل بين على ذلك.
ولكن هذا لا يمنع من وجود “غض الطرف” عن الموضوع ودفعه بطرق أخرى حتى يتفاقم للاستفادة منه واستغلاله بالسعي إلى تضخيمه بطريقة مبالغ فيها بحيث تصور على أنها “أم الدواهي” ثم يتم من خلال ذلك تمرير مشاريع إقليمية ودولية كمشروع تدويل أمن البحر الأحمر.
وأول خيط خارجي قد يفتح أسرارا أخرى مجهولة حتى اللحظة هو ما حدث مؤخرا من كتابة القراصنة لاسم امرأة يقال إنها على صلة بعمليات عسكرية نفذتها القوات الأميركية في الصومال عام ٢٠٠٦م على السفينة السعودية والأكرانية باسم تدليلها “أميرة”.وقالت في حديث مع موقع عسكري أمريكي إنها على اتصال منتظم مع القراصنة عبر هاتف يعمل بالأقمار الصناعية(31). وقد يؤدي خيط هذه المرأة إلى فتح ملفات وأسرار أخرى وقد يجري طمسها.الهوامش
————————-

  1. Scott Coffen-Smout, “Pirates, Warlords and Rogue Fishing Vessels in Somalia’s Unruly Seas,” http://www.chebucto.ns.ca/~ar120/somalia.html. []
  2. انظر: Abdulkadir khalif, “How Illegal Fishing Feeds Somali Piracy,” The East African, November 15, 2005,  HYPERLINK “http://www.somalilandtimes.net/200/08.shtml” http://www.somalilandtimes.net/200/08.shtml;
    انظر أيضا:  مهدي حاشي, “شبكة الصومال اليوم للإعلام – قراصنة الصومال…رؤية مختلفة,” الصومال اليوم, http://somaliatodaynet.com/news/index.php?option=com_content&task=view&id=1788&Itemid=29. []
  3. المصدر السابق. []
  4. المصدر السابق. []
  5. khalif, “How Illegal Fishing Feeds Somali Piracy.” []
  6. المصدر السابق. []
  7. Coffen-Smout, “Pirates, Warlords and Rogue Fishing Vessels in Somalia’s Unruly Seas.” []
  8. المصدر السابق. []
  9. Mary Ann Palma, “ANALYSIS OF THE ADEQUACY OF THE PHILIPPINE LEGAL, 
POLICY, AND INSTITUTIONAL FRAMEWORK TO COMBAT 
ILLEGAL, UNREPORTED, AND UNREGULATED FISHING ” (PhD Thesis, UNIVERSITY OF WOLLONGONG, 2006), 6, http://www.library.uow.edu.au/adt-NWU/uploads/approved/adt-NWU20070320.121526/public/02Whole.pdf. []
  10. “Illegal fishing off Somalia nets $300m a year ,” Mail & Guardian, September 1, 2005, http://www.mg.co.za/article/2005-09-01-illegal-fishing-off-somalia-nets-300m-a-year.
    []
  11. Wayne K. Talley and Ethan M. Rule, “PIRACY IN SHIPPING” (Maritime Institute, Old Dominion University, September 21, 2005), Google Scholar, http://bpa.odu.edu/port/research/talley.piracy.doc. []
  12. أنظر :
The Guardian (September 11, 1992); European Information Service (September 12 and October 6, 1992); BBC Somalia Branch (September and October 1992); Agence France Presse AFP (September 14, 1992); Inter Press Service (September 10, 11, 24, and 30, 1992); Saudi Gazette (September 13, 1992); Chicago Tribune (September 11, 1992); Reuters Limited (September 11, 1992); Somali Local Newspapers in Mogadishu. According to the local people, the waste was seen being dumped off the Somali coast into the Indian Ocean. []
  13. Tolba, Mustaba. Kamal, 1992. “Disposal of Hazardous Wastes in Somalia”. United Nations Environment Programme (UNEP) News Release, Statement by UNEP executive director, 9 September 1992. []
  14. أنظر : 

Familgia Cristiana, 1998a. Somalia: UNA PARTITA TRUCCATA. N8 published on 4th March, 1998. See http://www.stpauls.it/fc98/0898fc/0898fc18.htm,
Familgia Cristiana, 1998b. Somalia: Commercia di armi, stive pienne di rifiuti tossici, traffici vecchi e nuovi: E LA NAVE VA.. N13 published on 8th April, 1998. See http://www.stpauls.it/fc98/0898fc/0898fc18.htm,
Familgia Cristiana, 1998c. Somalia: IL TRAFFICO CHE UCCIDE. N47 published on 29th Nov., 1998. See http://www.stpauls.it/fc98/4798fc/4798fc84.htm.
Familgia Cristiana, 1998d. Somalia:QUEI TRAFFICI DI ARMI E SCORIE, La testimonianza di Franco Oliva, collaboratore della Farnesina. See http://www.stpauls.it/fc98/0898fc/0898fc22.htm
    []
  15. والغريب أن التقرير يشير إلى أن من الممكن أن يكون الجنود الإيطاليين الذين كانوا متمركزين في الصومال كقوة تابعة للأمم المتحدة في العملية الفاشلة أوائل التسعينات قد تعرضوا لإشعاعات نووية، دون أن يشير إلى الصوماليين الذين قد تعرضوا لذلك فعلا. []
  16. Ryu Alisha, “Waste Dumping off Somali Coast May Have Links to Mafia, Somali Warlords,” Voice of America, March 15, 2005, http://www.voanews.com/english/archive/2005-03/2005-03-15-voa34.cfm. []
  17. انظر: Ahmedou Ould-Abdallah and David Stephen, “The Crisis in Somalia” (Chatham House, June 19, 2008), www.chathamhouse.org.uk/events/download/-/id/852/doc/transcript/; Najad Abdullahi, “’Toxic waste’ behind Somali piracy,” Al Jazeera English, October 11, 2008, http://english.aljazeera.net/news/africa/2008/10/2008109174223218644.html []
  18. Saeed Shabazz, “Somali Piracy Connected to Toxic Dumping, Illegal Fishing,” New America Media, November 23, 2008, http://news.newamericamedia.org/news/view_article.html?article_id=84b309cb375a71013072e8158b583353&from=rss. []
  19. حسين عبده آدم, “ الصومال بين القرصنة البحرية والقرصنة السياسية ,” الصومال اليوم, http://somaliatodaynet.com/news/index.php?option=com_content&task=view&id=2389&Itemid=29. []
  20. Chris Boutet, “Today in Piracy: Who are the pirates off Somalia’s coast?,” National Post, November 19, 2008, http://network.nationalpost.com/np/blogs/posted/archive/2008/11/19/today-in-piracy-who-are-the-pirates-off-somalia-s-coast.aspx. []
  21. المصدر السابق. []
  22. “بوابة اليمن : صيادو اليمن.. ضحايا أم شركاء القراصنة؟,” http://www.ye26.net/home/news372.htm. []
  23. “ازدهار القرصنة في الصومال الغارقة في الفقر والياس ,” http://www.alquds.com/node/109213. []
  24. عبد الرحمن يوسف, “القراصنة الجدد.. حلم فتيات صوماليات,” إسلام أون لاين, October 21, 2008, http://www.islamonline.net/servlet/Satellite?c=ArticleA_C&cid=1224583815515&pagename=Zone-Arabic-News/NWALayout. []
  25. حيدر البطاط, “الصومال: دولة فاشلة وقرصنة مزدهرة,” BBC, November 21, 2008, sec. أخبار العالم, http://news.bbc.co.uk/hi/arabic/world_news/newsid_7742000/7742000.stm. []
  26. المصدر السابق. []
  27. المصدر السابق. []
  28. “القرصنة فى الصومال.. متعة الحياة بأموال الفديات!,” October 15, 2008, http://somaliatodaynet.com/news/index.php?option=com_content&task=view&id=2018&Itemid=26 []
  29. Rob Crilly, “Pirates stolen your supertanker off Africa? Here’s the man to speak to – The Scotsman,” The Scots Man, March 15, 2008, http://thescotsman.scotsman.com/latestnews/Pirates-stolen–your-supertanker.3881777.jp. []
  30. “خبير أمني: أمريكا و”إسرائيل” وراء القرصنة الصومالية لضرب اقتصاد مصر,” مفكرة الإسلام, http://www.islammemo.cc/akhbar/Africa-we-Europe/2008/11/22/72764.html []
  31. Clark, Colin. “Somali Pirates Call on American Benefactor.” Military.com, November 25, 2008. http://www.military.com/news/article/somali-pirates-call-on-american-benefactor.html?col=1186032311124
    []
أضف تعليقاتك

من فضلك أكتب أسمك

الأسم مطلوب

من فضلك ضع بريدك الكتروني

البريد الكتروني مطلوب

من فضلك ضع رساله

نقوش هو الموقع الشخصي لمحمد الأمين محمد الهادي

نقوش © 2018 جميع الحقوق محفوظة

جميع الحقوق محفوظة للموقع، يمكنك الاقتباس مع الإشارة للمصدر ووضع رابط يؤدي إليه.