متى ننتقل إلى الفعل الحقيقي في الوطن العربي؟

لقد بحت الحناجر على شاشات التلفزة، وفي مظاهرات في جميع أنحاء العالم للتنديد بالحرب العدوانية التي تشنها إسرائل على قطاع غزة، وشنت حملات ضد الأنظمة العربية المتخاذلة ولا سيما النظام المصري. وأريق الكثير من الحبر من الكتاب والمحللين من مختلف التوجهات. ونحن هتفنا مع الهاتفين في المظاهرات اليومية وفي ظل البرد القارس في مدينة الضباب هذه الأيام نعود إلى بيوتنا مرهقين لنتفرج على قناة الجزيرة لنجد أن المذبحة ما زالت مستمرة “والتغطية.. مستمرة” فننفجر غضبا ونصاب بالقرف من تصريحات السياسيين التي نشاهدها.

ورغم كل الجهد المبذول من الشعوب في التظاهر ورغم كل ما قيل وكتب حول هذا الحدث الجلل، يبدو بأنه لا يتجاوز كونه تعليقا أو تحليلا عسكريا أو سياسيا أو هتافات مظاهراتية استنفدت الحبر والحناجر فعلا ولكن لم تصل إلى مرحلة الفعل المؤثر بعد. ولا يمكن أن يقال أن هذا غير مجد ولا يقدم شيئا للقضية الفلسطينية فقد أبرز وعي الأمة بهذه القضية وبدا التضامن والتكافل جليا في هذه المظاهرات فلم يبق شعب – حتى الشعب الصومالي الذي قتل منه الاحتلال الأثيوبي الآلاف وشرد منه الملايين ولم يتظاهر له أحد من العرب والمسلمين- نسي آلامه وتظاهر من أجل غزة.

إلا أن من السهل نعته من الناحية الفعلية أنه فعل العاجز الذي لا يوقف ولا يكبح آلة الحرب الإسرائيلية ولا ينقذ الشعب الفلسطيني في غزة والذي يتعرض لأكبر هجمة شرسة تتبرأ من كل معاني الإنسانية والقيم الكونية.

أكبر ما تجلى في هذه المقالات والمظاهرات والهتافات أن الشعب العربي والمسلم بل والإنساني عاجز عن أن يقوم بفعل يجبر إسرائيل إلى التراجع أو داعموها إلى الضغط عليها بله عن أن يملكوا شيئا لتغيير واقع الأنظمة التي تجثم على أنفاسهم وتصطف مع عدوهم الأول إسرائيل.  وأظن أن من المهم الآن أن تنتقل الأمور إلى الفعل الذي يمكن أن يغير الأوضاع ليس فقط وقف العدوان والحرب المعلنة على الشعب الفلسطيني بل يتجاوز ذلك إلى تغيير الأوضاع بحيث لا يعود هذا العدوان إلى التجرؤ مرة أخرى على أي شعب عربي أو مسلم.

فما هو ذلك الفعل؟ وهل وصلت الشعوب العربية – بجميع مستوياتها وشرائحها الاجتماعية والثقافية والسياسية من النخب ورجل الشارع العادي، عامتهم وخاصتهم إلى مستوى القيام به؟

لكي نفهم ذلك الفعل علينا أن نستعرض ما تتفق عليه أغلبية الشعوب (العربية خاصة) بجميع شرئحها بحيث أصبحت من المعلوم بالضرورة بحيث لم يبق فيه فضل لأحد على أحد سوى في مستوى القدرة على الشرح والتفصيل. ثم ننتقل إلى ما يترتب على ذلك وما ينبغي على أي مجموعة من البشر القيام به في مثل تلك الحالة.

تحديد العدو

١- لا يشك أحد إلا المخبولون في أن الصهيونية ممثلة في يدها الباطشة (إسرائيل) و هي العدوة الأولى ومن ورائها ذراعها الذي يمدها بأسباب القوة (الولايات المتحدة) هما العدوان المتلازمان المتآزران، وما أحدهما إلا امتداد للآخر، كل يؤدي مهمة للآخر. ولا ينبغي تضييع الوقت في تحديد من التابع ومن المتبوع.

٢- كما لا يشك أحد أن الأنظمة العربية التي لم تأت كلها عن طريق ديمقراطي نزيه، لا تمثل شعوبها ولا تهتم بها بأي شكل من الأشكال إلا بقدر ما تبقيها مطيعة ومنساقة كالحمير لما يقوله ويطلبه النظام. وأن الجيوش والقوة العسكرية والأسلحة المختلفة التي يأكلها الصدأ ودفع فيها مليارات الدولارات، لم تكنز لمواجهة العدو بل لمواجهة الشعوب إذا ما حاولت أن تثور على حالها. أو تغامر في عمل داعم للمقاومة في فلسطين.

وبهذا فهذه الأنظمة تشكل العدو الرديف الذي يقوض ثورة الشعب العربي ويمنعه من مدّ يد العون لإخوانه بشتى السبل، وإلا فلا تفسير لمنع المساعدات الإنسانية والأطباء من أن يدخلوا إلى قطاع غزة لإسعاف الجرحى والمصابين.

ويدخل ضمن هذه الأنظمة نظام السلطة الفلسطينية التي يقودها محمود عباس والذي يثبط من روح المقاومة ويصف صواريخها التي تشل حركة مليون صهيوني بالعبثية، وقوارب العون الإنساني من ناشطين في أوروبا لفك الحصار عن غزة بأنها لعب أطفال. ومن شك في ذلك فإنه يحاول أن يحجب الشمس بغربال. وهل يمكن الشك في ذلك بعد تصريحه الغريب بأن المبادرة المصرية تنتظر قبول “الأطراف المعنية” ملمحا إلى أنه غير معني بها، وهذا اعتراف ضمني بأنه لا يمثل الشعب الفلسطيني الذي يصنع المعجزات على أرض المعركة. ثم يشير إلى أن الطرف الذي يرفض المبادرة -كماهي- هو الذي يتحمل المسؤولية، ملمحا بذلك إلى حماس.

فلماذا إذا ذهب إلى مجلس الأمن وألقى الخطب المثيرة للغثيان؟

والغريب أن يتظاهر بعض اليهود في أوروبا وفي فلسطين ويصرحوا بأنهم يشعرون بالعار مما يقوم به الكيان الصهيوني ويظل المسؤولون العرب يرددون مقولات تحمل حماس المسؤولية عما يجري في غزة.

وما تقوم به بعض الأنظمة بما يشير إلى أنها تتعاطف مع المقاومة ولا تملك أن تفعل شيئا لا يزيد أن يكون ذرا للرماد في العيون، فلا أحد منهم يقوم بعمل سياسي ملموس يشكل ضغطا لإسرائيل، فلا قطعوا العلاقات السياسية أو الاقتصادية مع الكيان الصهيوني ولا حتى لوحوا بذلك.

الفعل المرتقب

في الدول العربية

التحركات التي رأيناها في الفترة الماضية تحركات كان همّها الوحيد هو إظهار الدعم الشعبي للمقاومة الفلسطينية، والضغط على الأنظمة لتحمل مسؤولياتها في ذلك. ولكن تبين أن الأنظمة التي لا تأتي عبر صوت الشعب لا تهتم بما يقوله الشعب ولا تلقي له بالا فقد أعدت له من الأمن والشرطة والسلاح ما يقمعها إذا علا لها صوت.

ولذلك فلا بد من الانتقال إلى المرحلة الثانية وهي مرحلة تحتاج ليس إلى الوقت الذي يقضى في الاعتصام والتظاهر بل تحتاج إلى التضحية بالنفس في سبيل استعادة الحرية المفقودة والاستقلال المنشود لإعادة زمام الأمر إلى الشعب بعد أن سرق منه في ليل دامس.

الأنظمة العربية تحتاج إلى زلزال شعبي يقوض العروش ويحطم الأصنام ليس من أجل غزة وحدها بل من أجل أن لا تكون هناك مجزرة أخرى. فلا يمكن أن تقترف اليد الصهيونية مجزرة كل عام ولا يكتفي النظام العربي بالصمت بل يندد بالمقاومة. ويسميها بالمغامرة ويطالبها بتحمل المسؤولية. حدث ذلك في تموز ٢٠٠٦م مع حزب الله في لبنان، ويتكرر الآن مع حماس في غزة، وتمنع الشعوب من أن تدعم هذه المقاومة. وفي الحالتين أثبتت المقاومة أن حسابات الأنظمة المتخاذلة خاطئة وأن مستوى التضحيات التي وطنت الشعوب على دفعها لحرياتها أكبر من تصور القيادات الموجودة على العروش في الدول العربية والتي تتصور أن العيش بسلام وإن كان تحت الهيمنةالصهيونية هو أقصى ما تطمح إليه هذه الشعوب.

لا شك أن الشعوب العربية من خلال هذه الأنظمة تتعرض ليس للتدجين فقط بل لتدمير أهم مقومات الإنسانية وهي التوق إلى الحرية التي ينعم به معظم الشعوب في العالم. وفي مثل هذه الحالات فإن النخب والتنظيمات الحية في هذه الشعوب مطالبة إلى رفع مستوى تضحياتها وأن تستعد لأن تموت في مواجهة الطغيان الذي جعل “خير أمة أخرجت للناس” في مؤخرة وذيل الشعوب.
لا بد أن تعرف الأنظمة أن عصر الزعيم الملهم والقائد الفذ والملك المفدى ولى وأن هذا العصر هو عصر الشعوب وهي التي تولي من تشاء بصوتها واختيارها. لقد رأينا كيف أن شعوب العالم أزاحت عن كاهلها طواغيتها واختارت قياداتها بفعل منظم من نخبها وتنظيماتها، ورأينا عروشا تتهاوى وكراسي تتحطم وأنظمة ترمى بأيدي شعوبها إلى مزبلة التاريخ. بدءا من شاه إيران، ثم تشاوتشسكو، وجورجيا ثم انهيار المنظومة الشيوعية التي كان زعماء منطقتنا ينحون نحوها في الطغيان وانهيار جدار برلين إلخ من الثورات التي قامت بها شعوب حية.

لا بد أن تقوم الشعوب العربية بدورها في إسقاط طواغيتها بدل البكاء على حالها.. ولا بد للقوى الحية في هذه الشعوب أن تعبئهم لذلك دون النظر إلى الخسائر المترتبة على ذلك .. فكل عمل من هذا القبيل لا بد أن تكون له خسائر في الأرواح والممتلكات ولكن إذا كان هناك تنظيم وترتيب فستكون نتيجة هذه التضحيات الحرية التي افتقدتها هذه الشعوب.

ولعل ما يحدث في غزة والذي عرى الأنظمة بشكل غير مسبوق في بعض الدول وجعلت الهوة بينها وبين شعوبها مستعصية على الردم من قبل أبواقها الإعلامية والسياسية فرصة. فلا بد أن تستغل هذه الفرصة ويبني عليها لتؤتي أكلها.

الكثير ينظرون إلى الموت نظرة سلبية ويحاولون تجنبه وينسون قول الله “ويتخذ منكم شهداء” الذي يؤكد أن من أسباب فرض الجهاد أيضا أن يصطفي الله من عباده من يتخذ منهم شهداء، وقول الرسول (ص) “اطلبوا الموت توهب لكم الحياة” وما لم يكن الشعب مستعدا لبذل ثمن الحياة فلن يكون حيا.

هذه الأنظمة ليست قدرا مقدورا لا يمكن تغييره ولكن عدم استعداد الكثير من قيادات الرأي العام وزعماء الأحزاب والتنظيمات سواء الإسلامية والوطنية في داخل الوطن العربي لتحمل مسؤولياتها في قيادة الشعوب نحو التغيير الجذري هو ما يجعلها تتقوى وتتغول أمام شعوبها. متخوفة من أن يؤدي ذلك إلى دماء وأشلاء، ولكن لا بد على هذه القيادات أن تستذكر قول أمير الشعراء أحمد شوقي:

وللحرية الحمراء باب – بكل يد مضرجة يدق

ومن الأحسن أن تكون الغضبة منظمة ومتحكم فيها بدل أن تأتي دون حساب وتنظيم فتؤدي إلى فوضى عارمة تاكل الأخضر واليابس وحينها لن يكون لأحد الفضل بل سيكون الكل ضحيتها.

خارج الوطن العربي

خارج الوطن العربي بأبعاده المختلفة فتبدو الأبواب مفتوحة ولكن تفتقر إلى رؤى استراتيجية وتحرك منظم من المؤسسات التي تقود العمل في المجتمعات الإسلامية والعربية في خارج الوطن العربي. ولكن الأمر في حاجة إلى تنظيم وفعل استراتيجي متكامل وغير مكرر من القوى الوطنية والإسلامية الموجودة في المهاجر ولا سيما الغربية والأسيوية.

وهذه الشعوب أكثرها تجهل القضية وعدالتها ولا يصلها سوى الرأي الإسرائيلي، ولو تمكنت من معرفة الحقيقة لغيرت من تصرفها تجاه القضايا العربية والإسلامية. ولهذا تبدو أهمية السعي إلى التغلغل والتفاعل الإيجابي مع المؤسسات التي تصنع الرأي العام في هذه المجتمعات لتغير الرؤية الإسرائيلية.

ومن هنا يكون من الأهمية بمكان التخطيط للقيام بدور توعوي للشعوب في هذه الدول بجذور الأزمة وذلك عبر نفس الوسائل التي اعتمدتها الصهيونية في ذلك من قبيل التغلغل في وسائل الإعلام لتوصيل الرسائل الحقيقية عما يجري في الشرق الأوسط للتأثير على الرأي العام.

ثم التواصل والانحراط في المجتمع الأكاديمي والبحثي عبر الجامعات والمدارس والمراكز البحثية التي تشكل الرأي العام بدورها كما تقدم لصانع القرار قاعدة معلوماتية وتحليلية للأحداث والتي تساعده على اتخاذ القرار المناسب.

وكذلك الانضمام إلى الأحزاب المختلفة التي تتمتع بقدر من الاعتدال في المواقف للتأثير عليها وكذلك السعي لتسنم مناصب مهمة فيها حتى تقود العمل الحزبي فيما بعد وتقديم سياسات داخلية وطنية تستوعب الرأي العام الغربي وسياسات خارجية تسير وفق مبادئ العدالة والحرية تقود إلى إعادة العدالة إلى القضية الفلسطينية.

وقد بدأ هذا الفعل في الغرب ولكن لا يزال على استحياء ويتوجه في خطابه إلى الجاليات العربية والإسلامية ولا تجعل أولويتها الرأي العام الغربي والفرد الغربي غير المسلم وغير العربي، ويفتقد إلى التنظيم والتخطيط الاستراتيجي.

ولكن الشعوب والأنظمة في العالم لا تحترم الشعوب التي لا تحترم نفسها ولكي تكون شعوبنا محترمة في العالم عليها أن تري العالم أنها تستحق الاحترام والتقدير لأنها قامت بما تقوم به جميع شعوب العالم في دك عروش الطواغيت والإتيان بمن يمثل صوتها وآمالها لا بمن يحتقرها ويستهبلها. و…

إذا الشعب يوما أراد الحياة – فلابد ان يستجيب القدر
ولا بد لليل أن ينجلي – ولا بد للقيد أن ينكسر

فهل هذه الإرادة موجودة لدى الشعب العربي وهل وصلت إلى مستوى فعلها وهل هي مستعدة لدفع ثمنها؟ هذه الأسئلة ستجيب عليها الأيام.!

أضف تعليقاتك

من فضلك أكتب أسمك

الأسم مطلوب

من فضلك ضع بريدك الكتروني

البريد الكتروني مطلوب

من فضلك ضع رساله

نقوش هو الموقع الشخصي لمحمد الأمين محمد الهادي

نقوش © 2018 جميع الحقوق محفوظة

جميع الحقوق محفوظة للموقع، يمكنك الاقتباس مع الإشارة للمصدر ووضع رابط يؤدي إليه.