الواقع الصومالي المتأزم: بين تفاقم الأزمة وجهود المصالحة والمستقبل المجهول

somrepورقة تنظر في أسباب تفاقم الأزمة الصومالية وهويات أطرافها وأهدافهم ومطالبهم والقوى الإقليمية والدولية التي تلعب أدوارا مختلفة في الأزمة إلى جانب إمكانية إيجاد حل لها. وإن لم يتم حل المشكلة فما هي احتمالات تداعياتها والمسارات التي يمكن أن تأخذها.

————

بدت الأزمة الصومالية بعد استحقاقات اتفاق المصالحة في جيبوتي يونيو/حزيران 2008 بين الحكومة الفيدرالية الصومالية وتحالف إعادة تحرير الصومال متجهة إلى الانفراج والحل، ولكنها بدلا من ذلك بدأت تتأزم أكثر فأكثر إلى أن وصلت إلى الصدام المسلح بين رفاق الدرب بالأمس القريب. كان من المتوقع أن تخف أصوات المعارضين للاتفاقية بسبب النتائج التي حققتها وهي معظم ما كان يطمح إليها من حملوا السلاح بالأمس القريب.

ولكنهم رفضوا هذه الاتفاقية منذ بداية توقيعها ورفضوا الحوار مع رئيسهم السابق في التحالف وأعلنوا “حزبا إسلاميا” تزعمه الدكتور عمر إيمان (ثم خلفه مؤخرا حسن طاهر أويس بعد تنحي الأول) يعارض الحكومة الجديدة بشدة، وانطلقت حرب كلامية بين الطرفين ثم تحولت إلى صدام مسلح.

وهذه الورقة ستنظر في أسباب تفاقم الأزمة وهويات أطرافها وأهدافهم ومطالبهم والقوى الإقليمية والدولية التي تلعب أدوارا مختلفة في الأزمة إلى جانب إمكانية إيجاد حل لها. وإن لم يتم حل المشكلة فما هي احتمالات تداعياتها والمسارات التي يمكن أن تأخذها.

خلفية الأزمة الراهنة

ما يجري هو انفجار لخلاف ضاربة جذوره في أعماق الاختلاف الأيديولوجي للفكر الإسلامي المكون لتشكيلة وخارطة الإسلاميين في الصومال

لا يمكن النظر إلى الأزمة الراهنة في الصومال بالرجوع إلى التاريخ القريب للتحالف فقط، بل ينبغي الرجوع إلى ما هو أبعد من ذلك، لأن ما يجري هو انفجار لخلاف ضاربة جذوره في أعماق الاختلاف الأيديولوجي للفكر الإسلامي المكون لتشكيلة وخارطة الإسلاميين في الصومال، والذي تبدت تجلياته في طريقة تفاعل مختلف أطيافه مع أزمة انهيار الدولة في الصومال منذ 1991.

وكان الفريقان البارزان حينها هما الفريق الذي يحمل أيديولوجية الإخوان المسلمين بأطيافها المختلفة والذي يوسم بالمعتدلين، والفريق الذي يحمل الأيديولوجية السلفية بجميع أطيافها أيضا وهو الذي يوسم بالتشدد في مواقفه وتعامله مع المجتمع المحلي والدولي. إلى جانب العلماء التقليديين من الصوفية وأتباعهم الذين لم يدخلوا المعترك السياسي حينها بعد.

فقد رأى فريق أن الحرب الأهلية فتنة وعليه فلم يحمل السلاح ضد أحد بل هادن الجميع مركزا جهوده في الجوانب التي تخدم المجتمع، وهي الإصلاح بين المجتمع، والإغاثة للمنكوبين، والدعوة والتعليم. بينما قرر طرف آخر حمل السلاح وتشكيل معسكرات تدريب في محافظات الصومال للشباب الملتزم والمؤمن بالفكر السلفي، ورأى أن فرصة انهيار الحكومة وتوفر السلاح تجعل الظروف متاحة لإنشاء حكم إسلامي بالطريقة التي يرونها.

وعليه فقد خاضوا معارك مع أطراف محلية وإقليمية معروفة كانت كفتهم في الغالب مرجوحة وتكبدوا خلالها خسائر كبيرة في خيرة شبابهم. وبسبب توالي الهزائم عليهم قرروا مراجعة إستراتيجيهم وأعلنوا حل التنظيم الذي كانوا يخوضون الحروب تحت رايته وهو “الاتحاد الإسلامي” واتباع النهج السلمي في الدعوة وخدمة الشعب عن طريق الإغاثة والدعوة والتعليم.

ولكن عددا من كبار قادتهم رفضوا الانصياع لهذا الرأي ورأوه تخاذلا وهوانا فقرروا الاستمرار في هذا النهج. ومن بينهم الشيخ حسن طاهر أويس والشيخ حسن تركي وبعض الشباب الذين شاركوا في الجهاد الأفغاني من أمثال عيرو وأبو منصور. وبينما دخل معظم السلفيين في المجال التعليمي والدعوي والتجاري أيضا بقي هؤلاء متمسكين بفكرة عسكرة الدعوة وتحقيق الأهداف التي يؤمنون بها بقوة السلاح.

وكان أصحاب هذه الأفكار كلهم -معتدلوهم ومتشددوهم- منخرطين في تشكيلات المحاكم الإسلامية التي بدأت تنتشر منذ 1994، وإن كان صاحب فكرتها الأولى وهو الشيخ محمد معلم محسوبا على التيار الإخواني، وذلك لأن المحاكم كانت قائمة على أساس قبلي حيث لكل قبيلة محكمتها الخاصة، وهي التي تختار من يكون قاضيها وحاكمها والمليشيات القائمة عليها. ولعل فكرة المحاكم الإسلامية وتأييدها هي الأمر الوحيد الذي اتفق عليه الإسلاميون في الصومال نظرا للنتائج التي حققتها من حفظ الأمن والأرواح والممتلكات.

وعندما تأسس اتحاد المحاكم الإسلامية التي اختير الشيخ شريف شيخ أحمد رئيسا له، وهو محسوب على الفكر الإخواني المحلي، كان الاتحاد يضم ضمن المنتمين إليه جميع أطياف الفكر الإسلامي، وعندما خاض معاركه ضد أمراء الحرب في مقديشو كانت أيدي أعضائه مجتمعة في ذلك المسعى لتوحد العدو. ولكن أفكارهم وأيديولوجياتهم التي ينطلقون منها كانت مختلفة ومتنافرة، ولم يستطع أن يغطي عليها، فيما بعد، انتصارهم الكبير. بل بدت جلية في تناقض التصريحات التي كانت تنطلق من كل طرف من الأطراف المكونة لاتحاد المحاكم الإسلامية.

وكان الكثير من المراقبين يرون أن المواجهة بين الأطراف التي انصهرت في مشروع المحاكم الإسلامية، تكاد تكون حتمية بمجرد انتهاء شهور العسل الأولى لانتصارهم، ولكن فاجأتهم إثيوبيا بتدخلها المباشر في الصراع واحتلالها للصومال، فعادت اللحمة بعدها قليلا، وما كادت تعود حتى انفرطت مرة أخرى بعد إعلان تشكيل الواجهة السياسة للمقاومة وهي “تحالف إعادة تحرير الصومال” في أسمرة في سبتمبر/أيلول 2007، حيث أعلنت حركة الشباب المجاهدين رفضها للتحالف بحجة أنها تضم علمانيين. ثم تبعتها أطراف أخرى: منهم الشيخ حسن تركي قائد معسكر كيامبوني، كما أسست مجموعة من السلفيين أيضا جبهة المقاومة الإسلامية المنسلخة أيضا من جسم التحالف. ولكن معظم المقاومة كان يعمل تحت قيادة وإدارة الشيخ شريف شيخ أحمد رئيس التحالف حينها.

المفاوضات قاصمة ظهر التحالف

تعززت شعبية الشيخ شريف لدى قطاع كبير من الشعب. ويعود ذلك في الغالب إلى أن إثيوبيا كانت منهكة ومستنزفة في الصراع وأرادت أن تخرج بأقل الخسائر أكثر من كونها براعة أو حنكة من الجانب الصومالي في إدارة الأزمة.

وكانت قاصمة الظهر عندما قررت مجموعة التحالف ورئيسها شيخ شريف أحمد الدخول في تفاوض غير مباشر مع الحكومة الصومالية المدعومة من أثيوبيا آنذاك، ولم يرض هذه القرار الدولة المضيفة للتحالف، أي إريتريا والتي بحسب المؤيدين لشيخ شريف، أرادت استغلال الأزمة الصومالية لتصفية حساباتها مع جارتها اللدود إثيوبيا باستنزافها في الأرض الصومالية.

ولكن رئيس التحالف مع أكثرية أعضائه قرروا الاستمرار في المفاوضات وانتقلوا من أسمرة إلى جيبوتي، في حين بقي عدد من أعضاء التحالف في أسمرة، ويضم رجالا من كبار علماء السلفية الذين اعتمدت المحاكم عليهم في السابق، وعلى رأسهم الشيخ حسن طاهر أويس الذي أعلِن رئيسا لجناح أسمرة، والشيخ عمر إيمان والشيخ عبد الله على حاشي.

وتعمقت الخلافات والشكوك والاتهامات بين الجانبين، وإن كانت من جانب مجموعة أسمرة أشد وأنكى؛ حيث اتهموا الشيخ شريف “بالخيانة والعمالة وببيع القضية”، وشككوا في أن تؤدي مفاوضاته إلى نتيجة. وبحسب مصادر المؤيدين لشيخ شريف فقد لعبت الدولة المضيفة دورا كبيرا في تعميق هذه الشكوك حيث كانت تقدم للطرف المنحاز لها (الشيخ حسن طاهر أويس ومن معه) معلومات مغلوطة حتى يمعنوا في توسيع الهوة بين الجانبين. كما أن الجانب الآخر (شيخ شريف ومن معه) فُتحت أمامه أبواب الاعتراف الدولي والإقليمي، وسمح له بلعب دور الشريك الأساسي في السياسة الصومالية ولكن من طرف خفي حيث كانت هناك تلميحات بأن “الجانب المتطرف والمتشدد” غير مرغوب فيه أيضا.

وبين متشكك وغير مصدق لأن تؤدي المفاوضات إلى نتائج نظرا لتعقيدات الأزمة الصومالية، وقلة خبرة أعضاء التحالف في هذا النوع من المفاوضات، وقلة بضاعة الجميع في السياسة وإدارة الأزمات بشكل عام، استمرت المفاوضات بوتيرة سريعة “ووجد الناس أنها بدأت تأتي بنتائج معقولة ومقبولة لدى الشعب الصومالي”.

وتعززت بذلك شعبية الشيخ شريف لدى قطاع كبير من الشعب. ويعود ذلك في الغالب إلى أن إثيوبيا كانت منهكة ومستنزفة في الصراع وأرادت أن تخرج بأقل الخسائر أكثر من كونها براعة أو حنكة من الجانب الصومالي في إدارة الأزمة.

وكان الشيخ حسن طاهر أويس من أكثر المشككين من أن تؤدي المفاوضات إلى خروج إثيوبيا من الصومال حسب تصريحاته الصحفية حينها، بل وصرح أنه إذا خرج الاحتلال الإثيوبي فإن الحوار هو الذي سيكون محل السلاح بين الصوماليين مما فهم أنه سينضم إلى شريف إذا نجح في إخراج القوات الإثيوبية بالتفاوض.

ولكن بعد الانسحاب الإثيوبي وتنصيب الشيخ شريف رئيسا للصومال أعلن جناح أسمرة مع عدد آخر من الفصائل الإسلامية الصغيرة إنشاء “الحزب الإسلامي” لمناوئة الحكومة التي يتزعمها صديقهم بالأمس وغريمهم اليوم، كما ظلت حركة الشباب المجاهدين في موقفها الرافض للحكومة كذلك.

ومع أن الاتفاقية حسبما يرى مراقبون حققت الكثير من النتائج، منها:

  • الانسحاب إلأثيوبي من كامل الأراضي الصومالية.
  • إبعاد الشخصيات التي كانت طليعة الاحتلال والرائدة في الدفاع عنه وأهمها الرئيس عبد الله يوسف ورئيس وزرائه السابق علي جيدي.
  • دمج مؤسسات الحكومة بمؤسسات التحالف وتشكيل برلمان جديد ثم انتخاب رئيس التحالف لرئاسة الصومال وتأسيس حكومة سيطر عليها التحالف بشكل كبير.

وتلا ذلك إعلان الرئيس الشيخ شريف في خطاب تنصيبه أنه سيطبق الشريعة الإسلامية وسيسعى إلى المصالحة مع خصومه السياسيين. وتعهد بإعادة الأمن والاستقرار إلى الصومال وباتباع سياسة حسن الجوار مع دول المنطقة.

وأبدى الرئيس شريف استعداده للتفاوض مع المعارضة الجديدة وبذلت جهود كثيرة للتوسط بين الجانبين كانت في معظمها ذات مرجعية دينية بسبب كون الحكومة والمعارضة كلاهما ينحدرون من فكر الإسلام السياسي.

وكان أبرزها جهود هيئة علماء الصومال وشيوخ عشائر الهوية، وكذلك بمشاركة علماء من خارج الصومال منهم الدكتور يوسف القرضاوي والاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، والحملة العالمية لمقاومة العدوان، ولكن كلها لم تلق آذانا صاغية.

وبدت الأزمة بين الجانبين تتفاقم إلى أن وصلت إلى حد الاغتيالات للشخصيات المعروفة في المحاكم الإسلامية ثم اندلعت معارك عنيفة لم يحسمها أي جانب لصالحه حتى الآن.

هوية المعارضين ومطالبهم

الحزب الإسلامي

يفسر المتابعون أن الدوافع لإنشاء الحزب الإسلامي تكمن في ارتفاع أرصدة تيارين متناقضين على الساحة هما تحالف التحرير الذي يقوده الشيخ شريف وحركة الشباب مع انحسار للحركات أو المجموعات العسكرية الأخرى.

تأسس الحزب الإسلامي في أوائل فبراير/ شباط 2009م متزامنا مع اختيار الشيخ شريف رئيسا للبلاد وكرد فعل له لتشكيل جبهة “إسلامية” لمواجهته عسكريا. و يضم أربع فصائل هي بقايا الجبهة الإسلامية بقيادة الشيخ عبد الله أحمد عمر، ومعسكر الفاروق “عانولي”، ومعسكر رأس كيامبوني برئاسة حسن تركي، وزعامات جناح أسمرة من التحالف ويرأسها الشيخ حسن طاهر أويس، إلى جانب مجموعة لها خلفية قبلية في تشكلها وهي المجموعة التي يرأسها يوسف إندعدي حاكم منطقة شبيلي السفلى سابقا والذي انضم إلى المحاكم الإسلامية في فترة مواجهتها مع زعماء الحرب بداية عام 2006 وهي شخصية مثيرة للجدل ويغير ولاءاته من حين لآخر،وكان صاحب أكبر عدد من المليشيات والأسلحة في داخل الجسم الجديد “الحزب الإسلامي”.

وما عدا مليشيات إند عدي فإن الفصائل الأخرى المنضوية تحت “الحزب الإسلامي” لا تشكل ثقلا عسكريا يذكر بل هي أسماء وعشرات من المقاتلين فقط.

ويرى الكثير من المراقبين الصوماليين أن الحزب الإسلامي اسم أكثر مما هو مسمى، فلم تكن له حتى هيكلة إدارية فيما عدا رئيس الحزب ولا لائحة تنظيمية ولا برنامجٍ سياسي معروفٍ ما عدا معارضة نتائج مؤتمر جيبوتي. ولكنْ هناك خيط يجمع قياداته من المؤسسين قد يفسر انتظامها في هذا الاتجاه ألا وهو كون معظم قياداته منحدرا من بقايا جناح الاتحاد الإسلامي المتشدد أو ما أصبح يسمى بـ”السلفية الجهادية” الذي رفض موضوع حل المعسكرات ووقف عسكرة الدعوة كما سبق ذكره.

ويفسر المتابعون أن الدوافع لإنشاء هذا الحزب تكمن في ارتفاع أرصدة تيارين متناقضين على الساحة هما تحالف التحرير الذي يقوده الشيخ شريف وحركة الشباب مع انحسار للحركات أو المجموعات العسكرية الأخرى. واختيار شريف رئيسا وترحيب الكثيرين داخليا بذلك، مما أظهر ضعف القدرات السياسية لجناح أسمرة من التحالف وعدم إنجازه شيئا على الأرض ما أدى إلى نفور “السلفية” منه. والتحقت بها معسكرات قيادات مسلحة تحاول الحفاظ على وجودها وحفظ ماء وجهها سياسيا وعسكريا.

وقد انشق الحزب على نفسه، بعد أيام من تأسيسه، وأصبح له جناحان بعد المعارك التي خاضها في الأيام الأولى من وصول الحكومة إلى العاصمة. فأعلنت مجموعة يوسف إندعدي ومن معه بتغيير القيادة السابقة للحزب وإقالتها لأنها دخلت في معارك لم يتفق عليها ولم تستمع لرأي هيئة علماء الصومال في عدم مواجهة الحكومة بالسلاح. ولكن الطرف الآخر لم يرض بذلك بل بقي على مبدئه الأول، مما جعل الحكومة تستفيد من هذا الانشقاق وسعت إلى التقرب من الجناح المنشق لاستمالته للانضمام إلى الحكومة وكان لها ذلك بعد المعارك الأخيرة الدامية التي خاضها “الحزب الإسلامي” إلى جانب “حركة الشباب المجاهدين”.

وكاد الحزب يصبح أثرا بعد عين لولا انتقال الشيخ طاهر أويس من أسمرة إلى مقديشو مما قوى من أسهم الحزب ثم حصولهم على أسلحة من إريتريا لتخوض بها المعارك ضد الحكومة بعد أن انسحب منها يوسف إند عدي وانحيازه إلى الحكومة وهو الذي كانت له أكبر عدد من الرجال والعتاد كما أسلفنا.

ويرى بعض المتابعين لخطاب الحزب من المراقبين أنه “مبني على الثأر الشخصي من الرئيس شريف” لعدم استماعه لهم بعدم الدخول في مفاوضات والاستمرار في النهج العسكري، ولا تسلم قيادات الحزب بأن منهج الشيخ شريف سيؤدي إلى إخراج الاحتلال، ويقللون من أية خطوة تقوم بها الحكومة ويشككون في صدقيتها.

لذا فمشكلتهم مع الحكومة تنطلق من “عامل ذاتي أكثر منه موضوعيا ويعتبر الشيخان طاهر أويس وعمر إيمان أكثر المتشددين في هذا الجانب”، حيث لا يزالون على مواقفهم المتصلبة رغم أن الحكومة أقرت تطبيق الشريعة الإسلامية وأخرجت قوات الاحتلال الإثيوبي بل وحظيت بمباركة هيئة علماء الصومال في مؤتمرها الثاني حيث أقرت في بيانها أن الحكومة إسلامية وتحرم مقاتلتها، وتجدر الإشارة هنا إلى أن هيئة علماء الصومال تضم عددا كبيرا من العلماء المشهود لهم بالعلم والعمل من قيادات الفكر السلفي والإخواني.

هذا إلى جانب أن الحكومة تحظى بشعبية بين الصوماليين أكثر من أية حكومة مضت، ورحبت بها وأيدتها جميع القوى الشعبية ومنها على سبيل المثال قيادة المحاكم الإسلامية في الداخل التي يمثلها الشيخ عبد القادر علي عمر، حيث أعلنوا تأييدهم ووقوفهم وراءه، وزعماء مجلس عشائر الهوية الذي التقى بشريف عند زيارته للصومال بُعَيد انتخابه، وقال المتحدث باسمه أحمد ديريه أنهم يرحبون بانتخاب شريف ويأملون تحقيق مصالحة بين المقاومة الإسلامية. ومجلس أدباء الصومال، واتحاد تجار بنادر والتجار الصوماليون، واتحاد طلبة إقليم بنادر، والاتحاد النسائي.

المنطلقات والمطالب

يعتمد الحزب في تحشيده وموقفه من منطلقات يعلنها قادتها في تصريحاتهم وتتلخص في أن:

  1. قادة “الحزب الإسلامي” لا يرون الاتفاق الذي تم تحقيقه بقيادة الرئيس شريف في فترة خصومتهم معه إنجازا، وعليه فلا يأخذونه بعين الاعتبار، بالرغم من أن هذا الاتفاق هو الذي مكنهم من العودة إلى مقديشو.

    الشيخ شريف خان القضية حين وافق على التفاوض مع “الحكومة العميلة ولذلك فهو عميل وخائن للقضية” يقوم بالدور الذي قام به سلفه عبد الله يوسف وليس بينهما فرق يذكر.

  2. الحكومة الحالية ما هي إلا امتداد للحكومة السابقة التي جاءت بالاحتلال وهي تهدف إلى تمكين العدو من البلاد والحكومة الإثيوبية ما زالت راعية للحكومة الحالية. ولذلك فلا بد من حلها أولا.
  3. القوات الأفريقية جزء من الاحتلال الإثيوبي وجاءت لدعمه ودعم الحكومة العميلة وإلا فلا بد من أن تخرج هي أيضا.
  4. لذلك يعتبر قتالها لها امتدادا للمقاومة التي خاضوها ضد الاحتلال الإثيوبي والحكومة العميلة التي لم يتغير فيها سوى الشخوص.

أما مطالبهم التي يرفعونها وهي غير معلنة بشكل محدد في بيان أو برنامج بل تؤخذ من بعض التصريحات التي يدلي بها زعماء الحزب وتتلخص بما يلي:

  1. إخراج قوة حفظ السلام الأفريقية “أميصوم” من الصومال باعتبار أنها قوة احتلال.
  2. ضرورة حل الحكومة المؤقتة القائمة ويتنازل الشيخ شريف عن الرئاسة وتحل جميع مؤسسات الحكم.
  3. الدعوة إلى مؤتمر شعبي يكون للمقاومة فيه دور أساسي مع استبعاد من تعامل مع الاحتلال.
  4. تعيين أو اختيار رئيس جديد من قبل المؤتمرين وتشكيل حكومة جديدة تنتخب من جميع الإسلاميين.
  5. محاكمة جميع الخونة الذين عملوا مع الاحتلال الإثيوبي خلال تواجده في الصومال.
  6. تطبيق الشريعة الإسلامية.

ومن هذه المنطلقات والمطالب يتضح أن قادة “الحزب الإسلامي” لا يرون الاتفاق الذي تم تحقيقه بقيادة الرئيس شريف في فترة خصومتهم معه إنجازا، وعليه فلا يأخذونه بعين الاعتبار، بالرغم من أن هذا الاتفاق هو الذي مكنهم من العودة إلى مقديشو.

وتستبطن مطالبهم أنهم يريدون أن يتنازل الشيخ شريف عن الرئاسة لهم، وهذا ما أشار إليه بعض من العلماء الذين حاوروهم وحاولوا التوسط بينهم وبين الحكومة لإصلاح ما فسد بينهم.

وحسب الوسطاء الذين تدخلوا بين الحكومة ومعارضيها من الحزب الإسلامي فقد تجاوبت الحكومة في مسألة تطبيق الشريعة الإسلامية واتخذت إجراءات عبر مؤسساتها الحكومية والبرلمانية لتبني تطبيقها وانتهت منه، لكن “الحزب الإسلامي” أعلن أنه لا يرى ذلك سوى تلاعب من قبل شريف وخداع لهم.

أما مسألة إخراج قوة حفظ السلام الأفريقية “أميصوم” من الصومال فقد وافق على تنفيذه شيخ شريف بحسب الوسطاء، ولكن بشرط تأمين البديل عنه وتوفير الأجواء الملائمة لتحقيقه. وهذا المطلب في الحقيقة ليس بيد شيخ شريف ولا بيد الحكومة المؤقتة الحالية ولا بيد المعارضة، إنما هو بيد المجتمع الدولي والاتحاد الأفريقي وسواهم من الفاعلين الدوليين.أما توفير ظروفه الداخلية والقضاء على مبرراته وذرائعه المطروحة من الخارج فهي بيد الصوماليين، وذلك تحديدا بإتمام المصالحة الداخلية وعدم التورط في التحارب الداخلي.

أما مطلب حل الحكومة فقد قابله الحكم الصومالي باستعداده لتقاسم السلطة معهم، إلا أن المعارضين يرفضون هذا العرض لأنهم يرفضون أساسا المفاوضات التي تمخضت عنها الحكومة، فضلا عن الحكومة نفسها.

وقد كان الحزب الإسلامي قبل مجيء الشيخ حسن طاهر من أسمرة أقل استعدادا لخوض المعارك وكانت تحركاته تفسر في الغالب على أنها للمناورة السياسية ولتحقيق مزيد من المكاسب في حال التصالح مع الحكومة. ولكن بعد مجيء الشيخ حسن فقد يظهر للمراقب أنه جاء لمهمة عسكرية حربية.

وجاء -معه الدعم العسكري الإريتري بحسب مصادر الحكومة- ليقوي من استعداده لاتخاذ هذا الاتجاه، وهو ما كان حيث اندلعت المعارك الشرسة مؤخرا ووجد الحزب الإسلامي نفسه مضطرا لتغيير قيادته ليكون الشيخ حسن طاهر على رأس الحزب في خطوة فسرت على أنها للتأقلم مع متطلبات المرحلة التي تحتاج إلى رجل عسكري وليس عالما فقط، ولخلق توازن في حشد الدعم القبلي من عشيرة “الشيخ حسن” التي أصبحت معظم قياداتها السياسية والعسكرية في صف الحكومة، بما فيها الرجل القوي فيها، يوسف إند عدي، الذي انشق من حزب الإسلام والتحق بالحكومة.

حركة الشباب المجاهدين

تشكلت حركة الشباب المجاهدين من قيادات شابة شاركت في الجهاد الأفغاني وتدربت هناك وتشربت إيديولوجيا القاعدة. وجمعت بقايا شباب “الاتحاد الإسلامي” الذي تدرب في المعسكرات وأصر على استمرارها واستمرار “الجهاد العسكري” وأعلن تنظيم القاعدة عن تبنيه وأضاف نسبته إليه.

وأهم قياداته مختار روبو علي “أبو منصور”، وأحمد عبدي جودني “أبو زبير” أمير الشباب، وإبراهيم الأفغاني، وفؤاد محمود خلف “سنغولي” مسؤول الدعوة، وآدم حاشي عيرو القائد العسكري الذي اغتالته أمريكا في غارة جوية استهدفت منزلا كان يقيم فيه في مدينة طوسمريب في مايو/ أيار 2007.

المنطلقات والأهداف

يعتبر الشباب أكثر التنظيمات “تشددا من حيث الفكر والممارسة” في الصومال ويمكن حصر منطلقاته بالتالي:

  1. رفض مبدأ الديمقراطية والحكم البرلماني واعتبار المؤسسات التي تأتي من خلالها مؤسسات كفر بحتة.
  2. الجهاد المسلح ماض إلى يوم القيامة ولذلك سيتواصل ولن يقف عند حد معين.
  3. السعي إلى تحرير جميع الأراضي الصومالية حتى الأقاليم التي تحتلها إثيوبيا وكينيا منذ ما قبل الاستقلال بالجهاد المسلح.
  4. مواصلة الجهاد بعد ذلك لتحرير جميع المسلمين في شرق أفريقيا وفي العالم أجمع.
  5. عدم الاعتراف بجميع المؤسسات والمنظمات الدولية واتخاذها عدوا.
  6. عدم الاعتبار لمفهوم الوطن والمواطنة وبناء عليه لا يوافقون على الحدود المرسومة بين الدول.
  7. ونتيجة لذلك تفتح معسكرات الشباب لجميع المقاتلين من جميع أقطار العالم ليقاتلوا معه لتحقيق الهدف الذي يؤمن به.

خلافات حركة الشباب المجاهدين مع بقية الفصائل الإسلامية الصومالية تتجاوز الصومال والأزمة الصومالية حيث يرفضون مبدأ المشاركة بالحكم بالمطلق ويريدونه خالصا لهم.

أما المطالب فهي تتفق مع الحزب الإسلامي في رفضه للحكومة الحالية حتى ولو لم تأت عن طريق اتفاقية جيبوتي، أو حتى لو لم يحصل الانشقاق الذي حصل بين قيادات تحالف إعادة تحرير الصومال لأنه رفض الدخول في التحالف مبدئيا. لذلك كانت مواجهته لأي حكم غير الحكم الذي سيشكله والمؤمن بمبادئه متوقعة. وكذلك رفضه لوجود القوات الأفريقية “أميصوم” وتطبيق الشريعة الإسلامية.

وفي الحقيقة فإن خلافات هذه الحركة مع بقية الفصائل الإسلامية الصومالية تتجاوز الصومال والأزمة الصومالية حيث يرفضون مبدأ المشاركة بالحكم بالمطلق ويريدونه خالصا لهم.

وقد كانت قوتهم في البداية زهيدة في العدد والعتاد، إلا أن الانشقاق الذي حصل داخل تحالف إعادة تحرير الصومال جعل الكثير من المقاتلين التابعين لهم في الداخل يشكون في إخلاصهم، واستطاعت حركة الشباب في تلك اللحظة إقناع الكثير منهم بالانضمام إليها وأنهم أصحاب المبادئ الحقيقية، وبذلك استطاعوا التمدد في حال وجود القوات الإثيوبية. ويعتقد أن إثيوبيا عندما قررت مغادرة الصومال قامت بتسليح حركة الشباب وزيادة نفوذهم بطريق غير مباشر، وذلك أنها كلما أرادت الخروج من مدينة أشاعت ذلك بطريق غير مباشر ثم تبدأ حركة الشباب بحشد قواته قريبا من المدينة استعدادا لدخولها حال خروج القوات الإثيوبية، وتكتفي القوات الإثيوبية بإخراج الجنود مخلفة وراءها الكثير من العتاد العسكري لتستولي عليه الشباب.

وقد يتبادر إلى الأذهان استغراب وسؤال حول فائدة القوات الإثيوبية من تسليح الشباب وهي عدوة لها، ولكن هذا الاستغراب ينتفي إذا عرفنا أن الحكومة الإثيوبية كما عملت في السابق على عدم استقرار الوضع في الصومال أرادت أن يستمر ذلك بعد خروجها، وعلمت أن الشباب “هم أشد الفصائل تشددا وتطرفا”، ولن يتركوا أي حكومة قادمة تتمكن من المضي قدما في بناء الصومال، ولكن إذا كانت هذه الحركة ضعيفة عسكريا فسيكون من السهل القضاء عليها، ولكنها إذا تسلحت واستولت على الكثير من المدن فسيصعب ذلك على الحكومة القادمة، وتبدأ حلقة الفوضى في الصومال من جديد، وقد يسمح لها بتدخل آخر في حالة من القبول بعد أن يكون الناس قد اكتووا بنار حركة الشباب.

وباستيلائها على العديد من المدن وعلى الكثير من الأسلحة “وبفكرها المتطرف” تمثل هذه الحركة أكبر عقبة أمام الحكومة الصومالية، بل حتى الحزب الإسلامي لا يمثل شيئا أمام خطرها وقوتها. ويعتقد الكثير من المراقبين الصوماليين أن الحزب الإسلامي لم يكن ليشكل تحديا للحكومة لولا وجود حركة الشباب التي هي أكثر استعدادا للقتال وأكثر ثباتا في أيديولوجيتها.

هوية الحكومة ومؤيديها

تشكيلة الحكومة

الحكومة الحالية مَحْصَلة مفاوضات بين الحكومة السابقة وتحالف إعادة تحرير الصومال. ونظرا للتغيرات الدستورية وتغييرات الأشخاص فهي تعتبر حكومة جديدة، وأهم السمات فيها أن معظم قياداتها من الوزراء والرئاسة من الإسلاميين، والآخرون معظمهم من أصحاب المؤهلات المرضي عنهم شعبيا ولم يشاركوا في جرائم سابقة ولم تعرف عنهم عمالة للاحتلال.

الإسلاميون الذين دخلوا فيها أيضا يتنوعون في فكرهم الأيديولوجي بين أطياف السلفية والإخوان؛ ولكنهم توصلوا إلى قناعة أنه يجب التركيز أولا على إعادة كيان الدولة الصومالية والتعامل مع العالم بإيجابية، دون استعداء أحد والعيش بسلام مع دول المنطقة لاتقاء شرهم في هذه اللحظة التي لا تملك فيها الصومال مقومات الوجود حتى تحافظ على ما تبقى ثم تبني عليه، بدلا من البدء من نقطة الصفر التي تبدو شبه مستحيلة في الواقع الدولي والإقليمي. وتوصلوا لهذه القناعات بعد قراءة مدروسة لهذا الواقع ولمعطياته.

واستطاعت خلال المفاوضات أن تبعد الشخصيات المعروفة بولائها للاحتلال عن الحكم أو التأثير، كما تمكنت من استبعاد أمراء الحرب السابقين من أن تكون لهم كلمة أو دور في مؤسسات الحكم رغم وجود بعضهم في البرلمان كنواب.

وهي بهذا استطاعت أن ترث الشرعية الدولية والدعم الدولي والإقليمي الذي كانت تتمتع به الحكومة السابقة، وتكسب شرعية وتأييدا شعبيا في الداخل، لما رآه الناس من تغيير في القيادات وفي الخطاب والتوجه. وهي بذلك يمكن اعتبارها بأنها نتيجة عملية جراحية أجريت على الحكومة السابقة لإعادة الصحة والجمال إليها.

ويعتقد المراقبون أن الحكومة تساهلت كثيرا في أول الأمر مع المعارضة في عقر دارها وهي العاصمة التي كان ينبغي فيها الحسم منذ الأيام الأولى قبل أن يأتي المدد العسكري الإريتري للمعارضة.

المقاتلون في جانب الحكومة

يعتقد المراقبون أن الحكومة تساهلت كثيرا في أول الأمر مع المعارضة في عقر دارها وهي العاصمة التي كان ينبغي فيها الحسم منذ الأيام الأولى قبل أن يأتي المدد العسكري الإريتري للمعارضة.

استطاع الرئيس شريف أن يبقي تحت ولائه معظم المقاتلين من المحاكم الإسلامية وقيادتها العسكرية التي أوكلت إليها مهمة وزارة الداخلية، وكذلك عدد كبير من المقاتلين في المحافظات الأخرى التي لم يسيطر عليها الشباب، ومنها محافظة هيران وعاصمتها بلدوين، وشبيلي الوسطى وعاصمتها جوهر. ولكنه لم يستطع إقناع هؤلاء المقاتلين من أن يندمجوا مع الجنود السابقين للحكومة التي كانت توصف في أدبيات التحالف بـ”العميلة”، وهذا ما وقف حجر عثرة أمام بناء الجيش الوطني من جديد وخاصة داخل العاصمة مقديشو. وعندما حدثت الاشتباكات الدامية الأخيرة انحاز العديد من المقاتلين إلى الحزب الإسلامي وتركوا مواقعهم بدون دفاع عنها.

ويعتقد الكثيرون أن الخطاب التصالحي الذي اعتمدته الحكومة إضافة إلى موقف هيئة العلماء والذي يقول بأن هذه المعارك فتنة وأن القاتل والمقتول فيها في النار، أثر على الحكومة سلبيا وجعل المقاتلين ذوي المرجعية الإسلامية من قوات الحكومة يتورعون عن أن يحاربوا ويستميتوا في معركة يعتقدون أنهم إن قتلوا أو قتلوا ذاهبون إلى النار. بينما الخطاب في جانب المعارضة كان خطابا “مؤدلجا بالتكفير والتخوين” وتصوير أن المعارك إنما هي امتداد للمقاومة ودحر لفلول “الخونة وعملاء الاحتلال”.

لذلك فقد بدأت الحكومة تعتمد الآن على الجيش الحكومي المدرب في جيبوتي وأوغندا وتثق في صلابتها أكثر حيث لوحظ أن المعارضة لم تستطع أن تزيحهم عن مواقعهم في المعارك الأخيرة، بينما استولت على أكثر المناطق التي كانت تحت مقاتلي المحاكم الإسلامية.

أهل السنة والجماعة

هذه الجماعة من الصوفية الذين لم يحملوا السلاح في تاريخهم سوى أيام الاحتلال الإنجليزي والإيطالي الذي قاد فيها المجاهد السيد عبد الله حسن حملات المقاومة المؤلمة للاحتلال. أما في فترة ما بعد الاستعمار فلم يعرف عن أي من مشايخ الطرق الصوفية وأتباعها أي نوع من التدريب العسكري ولا خوض في السياسة حتى خلال الحرب الأهلية الممتدة.

ولكن الذي غير في المعادلة في الفترة الأخيرة واضطرهم إلى حمل السلاح هو سيطرة الشباب المجاهدين على الكثير من المدن وتعرضهم المباشر لهم، بمنع كل الحياة التقليدية للصوفية من إقامة الموالد والمزارات وكذلك منعهم بقوة السلاح لكل ما يرونه منكرا أو بدعة.

ويعتقد أن هذه التصرفات استفزت الصوفية لتقوم بما رأته دفاعا عن النفس وذلك منذ ما قبل مجيء الحكومة الحالية، ولكنها بعد مجيء حكومة شريف أعلنت ولاءها واعترافها بحكومته وأنها ستقاتل إلى جانبه لدحر حركة الشباب.

وينتشر مقاتلو “أهل السنة والجماعة” في المناطق الوسطى والشرقية حيث تدور بينهم وبين الشباب معارك مستمرة يقولون أنهم يدافعون فيها عن أنفسهم من غارات الشباب بينما يتهمها الشباب “بالعمالة لإثيوبيا”.

القوى الوسيطة

هيئة علماء المسلمين

بدأت الهيئة على شكل لجنة سميت بـ” لجنة المصالحة وتصحيح الأخطاء” بعد الخلاف الذي اندلع بين قيادات تحالف إعادة تحرير الصومال في مايو/ أيار 2008، وعقدوا أول مؤتمر لهم في مدينة برعو بشمال الصومال، ثم مروا بكل المحافظات والمدن الكبيرة داخل الصومال وصولا إلى مقديشو والتقوا خلالها بقيادات المقاومة حتى يحولوا دون التأثر بالخلاف الذي وقع بين القيادات السياسية للتحالف والمحاكم الإسلامية.

وقد نجحوا حينها في إبقاء المقاومة التابعة للتحالف متماسكة إلى حد ما إلى حين خروج الاحتلال الإثيوبي، وحين حان وقت قطف ثمار اتفاقية جيبوتي حاولوا أيضا أن يشكلوا ضغطا على الطرفين لكي يتفقوا فيما بينهم وعقدوا مؤتمرا في مقديشو دعوا فيه إلى حقن دماء الشعب وعدم حل الخلاف بالسلاح وأعلنوا ميلاد هيئة لعلماء الصومال لتكون هي المرجع في أمور الدين وحسم الخلافات الدينية بين الأطراف السياسية المتصارعة.

وتضم الهيئة في داخلها الكثير من أطياف الفكر الإسلامي في الصومال ما عدا الصوفية وجماعة آل الشيخ، التي يعد الشيخ شريف أحد أعضائها وتحمل الفكر الإخواني. ولكن يلاحظ أنه يغلب عليهم التيار السلفي بكل ألوانه التنظيمية وغير التنظيمية، ويوجد فيها عدد من علماء حركة الإصلاح الإسلامية.

وتمتاز بأنها جمعت الكثير من العلماء الذين يعتدّ بهم إسلاميو الصومال من جميع المحافظات الصومالية ومن المهجر الصومالي كذلك، مما يضفي عليها مصداقية شعبية ولكن دون أن يكون لها تأثير يذكر على الأطراف المتصارعة.

وقد عقدت مؤتمرها الثاني وأصدرت بيانا في عز اشتداد المعارك في مقديشو أعلنت فيه أن الحكومة الصومالية حكومة إسلامية ويحرم قتالها بالسلاح، وهو ما أزعج المعارضة واتهمت الهيئة بالانحياز للحكومة، بل اتهمتها بأنها تدار من قبل الرئاسة.

مجلس قبائل الهوية

تحظى الحكومة الفيدرالية الصومالية بطبعتها الجديدة بقيادة الرئيس الشيخ شريف ومن معه من التحالف بدعم وقبول دولي كبير، وبنسبة ما على المستوى الإقليمي، كما تندد بمعارضيه، وهذا القبول لم تتمتع به الحكومة السابقة إطلاقا.

بعد انتصار المحاكم الإسلامية على أمراء الحرب وسيطرتها على جنوب الصومال يونيو/ حزيران 2006 منعت جميع مظاهر التسلح والمليشيات القبلية، وقد بادرت معظم القبائل إلى تسليم أسلحتها للمحاكم الإسلامية معترفين بها كسلطة تتحمل الدفاع عن البلد.

ولكن عندما هزمت المحاكم وعشية دخول القوات الإثيوبية مقديشو، اجتمعت قيادات المحاكم مع زعماء العشائر في مقديشو وأعادوا لهم أسلحتهم طالبين منهم أن يدافعوا عن أنفسهم، وهربوا هم إلى الأدغال في جنوب الصومال.

وفي الشهور الأولى للاحتلال الإثيوبي خاض الزعماء مقاومة سلمية مع المحتل وسجن منهم من سجن، ثم انطلقت شرارة المقاومة العسكرية للاحتلال وشكل هؤلاء الزعماء حماية للمقاومين، وتحملوا السجن في سجون الاحتلال وسجون السلطة الحاكمة حينها، ومن هنا تأسس مجلس زعماء قبائل الهوية التي تقطن الجنوب والوسط.

ولكن زعماءها ليسوا هم القيادات التقليدية للعشائر بل أعيان من كل عشيرة لها وزنها في قبيلتها، ومن بين الزعماء البارزين فيها رئيس المجلس محمد حسن حاد وهو من عشيرة “مروسدي”، وأحمد ديريي من فخيذة سليمان المنحدرة من عشيرة هبرجدر.

وقد كانت لهذه الزعامات وللمجلس بصفة عامة سطوة لاستنادها إلى العشائر وحمايتها للمقاومة قبل إنشاء الحكومة الجديدة في جيبوتي. وبعد قدوم الحكومة والمعارضة إلى مقديشو حاولت التدخل للتوسط لمنع حدوث أي مواجهة مسلحة، وذلك بالتعاون مع هيئة علماء الصومال إلا أنها فشلت في فعل شيء يذكر حتى هذه اللحظة.

أثر النفوذ الإقليمي والدولية

القوى الدولية

تحظى الحكومة الفيدرالية الصومالية بطبعتها الجديدة بقيادة الرئيس الشيخ شريف ومن معه من التحالف بدعم وقبول دولي كبير، وبنسبة ما على المستوى الإقليمي، كما تندد بمعارضيه بشكل لا مواربة فيه، وهذا القبول لم تتمتع به الحكومة السابقة إطلاقا.

وينطلق هذا الدعم من عدد من الأسباب، من بينها:

  • تغير السياسات الأمريكية وتكتيكاتها في مواجهة الإسلاميين بشكل عام منذ مجيء أوباما رئيسا في الولايات المتحدة.
  • اقتناع هذه القوى الإقليمية والدولية بأن منع الإسلاميين من الحكم نهائيا لا يمكن تحقيقه حسب الخبرة المكتسبة.
  • إثيوبيا منهكة مما تلقته من ضربات المقاومة ومن تشوه صورتها لدى منظمات حقوق الإنسان العالمية بسبب ما اقترفته من جرائم ضد الإنسانية في الصومال.
  • وهذه القوى عملت على استقطاب من يرضى بالتفاوض في جيبوتي ودفع كل من يعارضه وتصنيفهما في خانتي الاعتدال والتشدد أو التطرف.
  • وبما أن هذه الحكومة هي نتاج مفاوضات رعتها الأمم المتحدة وبمباركة دولية، فإن أمام هذه القوى أن تدعمها وتقبلها وإن كانت تحت قيادة إسلاميين بقيادة زعامة المقاومة السابقة بعد أن وافقت على التفاوض، وإلا فإنها أمام خطر آخر أشد وأعتى إذا تركت الحكومة تنهار أمام ضربات المتمردين لتسقط الصومال بعدها في المجهول، وتحت رحمة من يعلنون عداوتهم للغرب والدول المجاورة وتؤمن بخوض الجهاد إلى ما لا نهاية مما سيسبب عدم استقرار في القرن الأفريقي.
  • الحاجة إلى وجود حكومة قادرة على السيطرة على الأرض مرضي عنها من الشعب ومتعاونة مع الغرب وغير معادية لجيرانها حتى تتمكن من إنهاء القرصنة البحرية التي تؤرق العالم.

وتسعى أطراف غربية كانت غير مشاركة بشكل رئيسي في مفاوضات جيبوتي، ولاسيما إيطاليا، التي تشعر بأن الملف الصومالي يخصها غربيا، إلى الاستفادة والتدخل لتقريب وجهات النظر بين الحكومة والحزب الإسلامي.

وتصدرت أخبار وكالة الأنباء الإيطالية نقلا عن وزارة الخارجية الإيطالية، أن إيطاليا ستجمع الحكومة والمعارضة في روما في شهر يونيو/ حزيران 2009 للإصلاح بينهما، فيما يبدو أنها تستفيد من عدم فعالية الطرف العربي في الموضوع.

وقد كذبت السفارة الإيطالية في نيروبي في البداية ولكن صدرت أنباء أخرى مؤكدة ومحددة للشخصيات التي ستشارك في المفاوضات.

الأطراف الإقليمية

إقليميا أرى أن إثيوبيا وإن خرجت من الصومال فإنها – في الحقيقة – لن تعمل في اعتقادي على استقراره لأن ذلك لا يصب في مصلحتها، ولكنها لا تريد أن تتهم بأنها السبب في عدم الاستقرار حسبما جرى في الفترة السابقة وعلى امتداد الصراع.

عربيا يبدو أن عددا من الدول العربية تقرأ الوضع في الصومال بعيون ومعطيات مسبقة، تصنف كل من يدعمه الغرب وأمريكا في دول الاعتدال وكل من يعارضها في دول الممانعة.

فبذرت بذور عدم الاستقرار قبل خروجها، بتسليم الأسلحة لحركة الشباب بالطريقة غير المباشرة التي تم شرحها آنفا. وفي اعتقادي أن مخابراتها وجواسيسها ما زالوا يرتعون داخل الصومال دون علم أحد، وأنها هي التي تنفذ الاغتيالات التي تقع على كبار قيادات المقاومة السابقة من الطرفين لتزيد الشك وتفجر الوضع بينهما. ونجحت إثيوبيا في زرع بذور الشقاق والنزاع بين القبائل حيث صورت في كل مرحلة أنها مع طرف دون آخر، مما يمكن أن يستدرج بعض الإسلاميين الذين لم يتحصنوا بعد من تأثير القبيلة عليهم، وليعود كل إلى قبيلته ليتقوى بها، كما تشير النذر حاليا.

والحالة الشاذة على المستوى الدولي والإقليمي هي “إريتريا” التي أعلنت أنها لا تعترف بالحكومة الصومالية وتدعم المعترضين عليها، وذلك خدمة لأجندتها الخاصة. وتلقى المعارضون ولاسيما من الحزب الإسلامي أسلحة كبيرة نقلت إليهم من أسمرة عبر الموانئ التي يسيطرون عليها، ويعتقد أن لها جواسيس أيضا يقومون بنفس المهمة التي يقوم بها جواسيس إثيوبيا ولكن لأهداف مختلفة.

عربيا يبدو أن عددا من الدول العربية تقرأ الوضع في الصومال بعيون ومعطيات مسبقة، تصنف كل من يدعمه الغرب وأمريكا في دول الاعتدال وكل من يعارضها في دول الممانعة. ومعلوم إقليميا أن دول الاعتدال العربي لها علاقات وطيدة بإثيوبيا ودول الممانعة لها علاقات كذلك بإريتريا. وأن الإسلاميين في معظمهم محسوبون في مواقفهم على الممانعة.

والمشكلة أن الصومال وقعت في خانة الآخر لدى كلا الطرفين، وهذا يجعل الكثير من الدول التي كان يتوقع أن تتحرك لنجدتها لا تتحرك تحسبا من الإسلاميين الحاكمين أن يقدموا نموذجا للعالم الإسلامي، بينما يصنفها الآخرون في الخانة الأخرى طالما هي مدعومة من الغرب وأمريكا، دون النظر إلى خصوصية الحالة الصومالية. وكأنما شرط الرضا والإخلاص أن تغضب عنك أمريكا والغرب والعالم بأسره. ولذا لا نجد أي تحرك عربي جاد للتدخل الإيجابي في الصومال.

وكانت هناك أنباء من الحكومة المصرية أنها تلقت استعداد المعارضة لأن تستضيف مفاوضات بينها وبين الحكومة الصومالية إلا أن هذه الأخبار وئدت في مهدها ولم تتطور إلى فعل.

صورة الواقع السياسي والعسكري

سياسيا إن الحكومة مقتنعة بتمتعها بدعم شعبي ودولي وكذلك بقبول قوى المجتمع المدني والتنظيمات الاجتماعية والدينية الموجودة، ومقتنعة أن أي حوار أو مصالحة لن تكون هي الخاسرة فيها.

ولكن من الناحية الميدانية فإن المعارضة تسيطر على عدد من المحافظات في جوبا العليا وباي وبكول وشبيلي السفلى، وأضافت في الحروب الأخيرة محافظة شبيلي الوسطى، والحكومة تسيطر على بقية المحافظات بعضها بشكل كامل وبعضها بشكل جزئي.

وتتوالى من الطرفين التهديدات باستئصال الطرف الآخر ويزعم كل منهما تحقيق النصر في العاصمة التي هي مربط الفرس، ولكن بالنظر إلى توزيع الأحياء الخمسة عشر التي تتكون منها العاصمة فالحكومة لا تزال تسيطر على معظمها.

فالحكومة تسيطر على أحياء ودجر، وإبري، حمر ججب، شبس، حمروين، بونطيري، عبد العزيز، كاران، شنغاني، وذلك بشكل كامل. وأما بقية الأحياء فالمعارضة تسيطر على حي “هوروا” بشكل كامل، وعلى جزء كبير من حي “طركينلي” وعلى معظم حي “ياقشيد” وبقية الأحياء الثلاثة وهي: هدن، ورديجلي، هول وداج، فيتواجد فيها الطرفان.

كما أن الحكومة تسيطر على المطار الدولي وميناء مقديشو الدولي الذين افتتحا في عهد المحاكم الإسلامية. وتسيطر المعارضة على بعض الموانئ والمطارات الصغيرة التي افتتحها أمراء الحرب والقبائل عندما كانت مقديشو مقطعة إلى أوصال.

وأصدرت الحكومة قرارا بإغلاق جميع المطارات والمواني التي تقع في المناطق التي يسيطر عليها المعارضة، في خطوة تهدف إلى قطع شريان الحياة على المعارضة وإذا تعاون معها المجتمع الدولي في مراقبة هذه المواني والمطارات فقد تحرز الحكومة تقدما في حربها.

أما عسكريا فإن المعارك الأخيرة غيرت الكثير من الواقع العسكري، حيث انضمت مجموعة من مقاتلي المحاكم الإسلامية إلى الحزب الإسلامي ومجموعات وقيادات من الحزب الإسلامي إلى الحكومة وحاربت معها. ووصل إلى الحكومة قوات نظامية مدربة في دول الجوار: من جيبوتي وأوغندا بشكل خاص، ويتوقع أن تصلها مساعدات عسكرية كذلك من الدول الغربية لتستطيع حسم المعركة لصالحها.

الحلول الممكنة

يكمن الحل في تدخل الدول العربية والإسلامية بشكل جاد وبطريقة متفق عليها كما جرى في أزمة لبنان، وكما يجري في السودان. أي أن تكون عملية المصالحة بيد دول وليس بيد جماعات أو أفراد.

يشفق الكثير على ما تجره هذه المواجهات العسكرية على الشعب أيا كان المنتصر. فهذا الشعب قد تحمل وعانى الكثير في عصر أمراء الحرب وفي عهد الاحتلال الإثيوبي، وفي الوقت الذي كان يتوقع أن يبدأ الاستقرار والتنمية يخرج عليهم أمراء حرب بثوب ديني جديد، وهم العلماء الذين كانوا يتوقعون أن يكون أكثر شفقة عليهم، فإذا بهم يكشرون عن أنيابهم.

وقد برزت الكثير من المحاولات المحلية الجادة للتوسط بين الحكومة ومعارضيها ولكن كلها باءت بالفشل. وأما وساطة الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين فهو لم يتجاوز الإعلان والإعلام، ولكن لم تتخذ خطوات جادة للمضي فيها.

أما الآن فأرى أن الوقائع قد تجاوزت الجانبين، وعليه فلا بد من تغيير أسلوب مقاربة الحل حتى نقول أنه يمكن أن يأتي بنتيجة، وبدون تجاوز الفعاليات المحلية بحيث يستعان بها ولكن لا تترك وحدها.

وإذا صحت الأنباء حول استعداد المعارضة للوساطة المصرية أو الإيطالية (التي أخذت تتطور إلى التنفيذ)، فإنه يبدو أنها لم تقنع بالوسطاء المحليين أو الدينيين، بل تسعى إلى رفع مستوى المفاوضات وأن تكون تحت إشراف عربي أو دولي بحيث تحفظ مكتسباتها وتحظى باعتراف سياسي دولي أو عربي حسب اعتقادها.

وأرى أن الحل يكمن في تدخل الدول العربية والإسلامية بشكل جاد وبطريقة متفق عليها كما جرى في أزمة لبنان، وكما يجري في السودان. أي أن تكون عملية المصالحة بيد دول وليس بيد جماعات أو أفراد، وهذه هي المنطلقات التي ينبغي أن تعتمد عليها:

  1. إخراج الصومال من حرب المحاور (الممانعة والمعادلة) والتعامل معها خارج هذا الإطار.
  2. الاتفاق على الضغط على أية دولة تعارض هذا الاتفاق أو تحاول اللعب في المياه الصومالية العكرة، حتى وإن أدى ذلك إلى قطع العلاقات معها، أو على الأقل التهديد بها.
  3. يمكن أن نذكر في هذا المجال الدول التي يمكن أن تشكل عاملا مساعدا إذا حسنت النيات وهي: مصر والسودان وليبيا والسعودية وقطر، فكلها لها تأثير على الأطراف الداخلية والإقليمية للصومال.

ثم ينبني الحل على أسس ومبادئ يمكن أن تشكل تنازلا ما من الطرفين مثلا:

  1. التركيز على أن تطبيق الشريعة الإسلامية ضروري لحل الأزمة الصومالية.
  2. توفير أجواء تمكين الحكومة من إعلان استغنائها عن القوات الأفريقية وذلك بعد توفير البديل عنها، وهو تشكيل قوة عربية مشتركة لتحل محلها بتوافق دولي وإقليمي.
  3. إغراء المعارضة بالمشاركة الحقيقية في الحكم والسعي إلى رفع رموزها من قائمة الإرهاب الأمريكية والدولية.
  4. تحديد هذه المشاركة لتكون حقا مغرية، كنيابة الرئيس ونيابة رئيس الوزراء ووزراء آخرين.وإن كان هذا سيصدم بنظام المحاصَّة القبلية التي بنيت عليها الحكومة.
  5. التشديد على أن العودة إلى نقطة الصفر غير مقبولة ولا منطقية وعليه فينبغي القبول بالموجود والسعي إلى تحسينه حفاظا على مصلحة الشعب.
  6. أن من يعارض نتائج الصلح سيواجه من الجميع.

سيناريوهات المستقبل

في حال استمرار الخلافات والمعارك بنفس الحدة، فإن سيناريوهات تطور الأزمة يمكن أن تكون كالتالي:

1- انتصار المعارضة على الحكومة

وهذا من غير المتوقع أصلا، حيث إنه في ضوء الوضع الحالي لن يحقق أي طرف نصرا مظفرا أو هزيمة ساحقة للطرف الآخر، نظرا لتمتع كل طرف بمزايا عسكرية. فالمعارضة قد تتمكن من تحقيق نصر جزئي في المحافظات وذلك في العاصمة كما حصل مؤخرا ولكن من شبه المستحيل أن تتمكن من إلحاق الهزيمة بالحكومة والسيطرة على مقراتها في مقديشو، وهي التي تدافع عنها القوات الأفريقية “أميصوم”، التي تمتلك من قوة الردع أكثر بكثير من ما تملكه المعارضة. وعليه فليس من الممكن أن تنهار السلطة الصومالية وتحل المعارضة بديلا عنها.

2- استمرارا الوضع على ما هو عليه

وهو أمر منهك ومحرج للطرفين، للحكومة كونها لم تستطع أن تمارس سلطتها بشكل كامل ولا أن تبسط سيطرتها على أرضها. وللمعارضة على أنها أطالت معاناة الشعب ولم تستطع حسب المعركة ولا التصالح مع الحكومة. لذلك لن يرضى الجانبان به بل سيسعى كل طرف إلى حسم المواجهة لصالحه.

3- انتصار الحكومة على المعارضة

وذلك إذا تكاملت الجهود الدولية والإقليمية في قطع الإمدادات عن المعارضة، وتقوية الحكومة عسكريا ولوجستيا لكي تحقق الحسم. وهذا لن ينهي المعارضة تماما ولكن ستبقى منها فلول تشكل إزعاجا للحكومة كما هو حاصل مع الكثير من الدول العربية. ولكن إذا صدقت النيات من القوى الإقليمية والدولية مضافا إليها الدول العربية والإسلامية التي تدعي أنها تدعم الحكومة.

4- بروز الاصطفافات القبلية القديمة

إذا شككت أية قبيلة أن انتصار طرف يساعد على تقوية قبيلة ما تعتبرها خصما فإن الاصطفافات القبلية ستبدأ من جديد، وهنا لن تكون المعارضة معارضة ولا الحكومة حكومة بل تكون كلاهما ممثلا لمصالح قبيلة معينة. وهذا قد يسحب الدعم الشعبي للحكومة وسيصعب على المجتمع الدولي مواصلة دعمه. وسيعود الجميع إلى المربع الأول الذي كانوا فيه 1991، حيث اصطفت القبائل بين علي مهدي وعيديد. وهذا الأمر بدأ يتخوف منه الكثيرون داخل الصومال لأسباب وجيهة.

5- المصالحة بين الطرفين

إذا أحست المعارضة بضغط عسكري جاد تخشى منه أن تلحق بها الهزيمة، فإنها من المتوقع أن ترضخ للمفاوضات اختيارا بين أخف الضررين. وهنا ستكون كفة الحكومة هي العليا.

وهو أمر -إلى هذه اللحظة- يبدو بعيدا بعد أن كشر كل عن أنيابه للآخر واستنفذت الحكومة، كما تقول، جهود المصالحة، إلى جانب تصلب الطرف المعارض وتمسكه بموقف عدم التفاوض مع الحكومة. ولكن إذا نجح الطرف الإيطالي أو المصري بجمع الطرفين على مائدة المفاوضات فإن أفق الحل يبدو ممكنا مع المعارضين الإسلاميين من غير حركة الشباب التي يبدوا أن الحل العسكري هو الأكثر احتمالا معها. وإذا لم تتدخل هذه الدول أيضا وأحست المعارضة بضغط عسكري جاد تخشى منه أن تلحق بها الهزيمة، فإنها من المتوقع أن ترضخ للمفاوضات اختيارا بين أخف الضررين. وهنا ستكون كفة الحكومة هي العليا.

6- تفاقم الأزمة وانعدام الحل

في حال لم تنحل الأزمة وأدت إلى تعطيل مؤسسات الحكومة، وإلى تكوين اصطفافات قبلية جديدة، فإن المعارضة ستقوى لاسيما حركة الشباب المجاهدين، وعليه من الممكن أن تعود القوات الإثيوبية مرة أخرى، وهذه المرة دون أن يلومها أحد، بل ربما تجد قبولا من بعض القوى الداخلية وربما يجد الشعب فيها الحل وينفض عن المقاومة، وهذا ما تسعى إليه إثيوبيا.

ومن الممكن كذلك سيطرة قوى دولية على الصومال سيطرة كاملة بحجة أنها دولة فاشلة وجربت فيها كل الحلول لمدة عشرين عاما، وأنها أصبحت وكرا للإرهاب ومفرخا له، ولذا لا بد أن تكون تحت وصاية دولية كاملة لمدة طويلة حتى لا تكون بيد القاعدة منطلقا لإرهاب العالم، على أن تجهز في تلك الفترة لحكم نفسها بنفسها.

وبهذا تستغل القوى الخارجية خيرات البلد البحرية والبرية دون رادع وتحت غطاء ومباركة دولية، فتكون الصومال غير الصومال بل تكون قاعدة عسكرية غربية، أو ربما قد يتطور الأمر إلى حد تغيير في الخارطة الإقليمية ويتم توزيع الصومال على دول الجوار مرة أخرى.
_______________
المصدر:الجزيرة.نت

أضف تعليقاتك

من فضلك أكتب أسمك

الأسم مطلوب

من فضلك ضع بريدك الكتروني

البريد الكتروني مطلوب

من فضلك ضع رساله

نقوش هو الموقع الشخصي لمحمد الأمين محمد الهادي

نقوش © 2018 جميع الحقوق محفوظة

جميع الحقوق محفوظة للموقع، يمكنك الاقتباس مع الإشارة للمصدر ووضع رابط يؤدي إليه.